الطهارة
صفحة ٥١ من ٢٠٢٦

إذا كان الواقعُ داخلَ الماء جزءَ صغيراً منها كطرف ذيلها مثلاً أو طرف رِجْلها فيبنَى على الطهارة(١٩) .

(١٩) قد تقول : بما أنه لم يَثبت ـ علميّاً ـ إستنادُ التغيّر إلى الجزء الواقع في الماء ، وإنما كان بعض سبب التغيّر من الجيفة الموجودة خارج الماء وبعض السبب من جزء الجيفة الموجود خارج الماء ، فيجب القول بالطهارة ، وذلك لأصالة الطهارة وقاعدتها ، وذلك لأنه يجب أن يستند التغيّر إلى الجيفة الموجودة في الماء لا إلى الجيفة المجاورة .

أقولُ : لكن هذا الكلام لا ينبغي أن يقول به عالمٌ أو عاقل ، وذلك لعدم ملامسة كلّ الجيفة ـ الواقعة في الماء ـ للماء ، لأنّ داخلها لا يلامس الماءَ ، بل لعلّ الدواب إذا ماتت يطفو نصفها أو ربعها على سطح الماء بعد انتفاخها ، ورغم ذلك يقال عرفاً بأنّ التغيّر كان بسبب وجود الجيفة في الماء ، فالمراد قذارةُ الماء ولو بسبب بعض الجيفة ، وقد حصل ، فيبعد التعلّق بعدم العلم بحصول القذارة من نصف الجيفة أو ربعها الموجود داخل الماء ، فهذا القدر كاف عرفاً وعلميّاً في الحكم بالقذارة وبالتالي بالنجاسة ، ولا أقلّ من باب الإحتياط الوجوبي في ذلك .

ولك أن تستدلّ على شمول حالتنا هذه للحكم بالنجاسة بإطلاق أقوالهم صلوات الله عليهم السابقة في الماء يمرّ به الرجل وهو نقيع فيه المَيتة والجيفة ؟ فقال أبو عبد الله صلوات الله عليه : « إن كان الماء قد تغيّرَ ريحُه أو طعمُه ـ أي بأوصاف المَيتة . فلا تشربْ ولا تتوضأ منه ، وإن لم يتغيّرْ ريحُه وطعمُه فاشرب وتوضّأ » ، وأنه سأل رجلٌ أبا عبد الله صلوات الله عليه عن غدير أتوه وفيه جيفةٌ ؟ فقال : « إن كان الماءُ قاهراً ولا توجد منه الريح فتوضّ » ، وعن الماء فيه دابّةٌ مَيتة قد أنتنت ؟ قال : « إذا كان النتن الغالبَ على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب » ، وأنه « إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيءٌ تفسخ فيه أو لم يتفسخ ، إلا أن يجيئ له ريح تغلب على ريح الماء » ، وأنه « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب ، فإذا تغيّرَ الماءُ وتغيّرَ الطعمُ فلا تتوضأ منه ولا تشرب » ، ولم يفصّل الإمامُ صلوات الله عليه بما لو كانت المَيتة كلُّها داخل الماء أو بعضها ، على أنه غير معلوم أنّ المَيتة تكون دائماً أو غالباً كلّها داخل الماء حتى يدّعى الإنصراف إلى وقوعها في وسط الحوض . بل لعلّ الجراثيم تنسحب إلى المنطقة الملامسة للماء .

٥١