وفي عيون الأخبار وفي العلل بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضاﷺ قال : « إنما أمر بالوضوء وبدئ به لأنْ يكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه .. »(١٠٧٠) وهذا قد توضّأ ، ولو لقراءة القرآن ، فهو إذن طاهر ، وهذا أمْرٌ ينبغي أن يكون من الضروريّات الدينية ، ولا سيّما وأنّ المتديّن حينما يتوضّأ ليقرأ القرآنَ فإنه لا ينوي الوضوء لخصوص قراءة القرآن لوحدها دون غيرها ، وإنما ينوي الكون على طهارة ، فتكون نيّة قراءة القرآن هي الداعي للوضوء ، ولا تكون قراءة القرآن بنحو القيد في نيّة الوضوء ، لا بل حتى ولو توضّأ بنيّة قراءة القرآن فقط لا غير فهو قد توضّأ ، وتكون العلّة للوضوء فقط غايته النفسية ، ولكن الوضوء يرفع الحدث شرعاً ، مهما كان الداعي ، وهو كما لو صلّى ليرى في الآخرة محمّداً وآل محمّدﷺ ، فقط لا غير ، لكنه على أيّ حال هو قد صلّى ، وسقطت عنه الصلاة . ولا يوجد عندنا وضوء لخصوص قراءة القرآن ثم وضوء ثانٍ لكتْبه ثم وضوء ثالث للأذان ثم وضوء رابع للإقامة .. ودليلنا على ما نقول هو إدراك العقل ، والإعتقاد بأنه لا يصحّ القول بأنّ الإنسان إذا توضّأ لخصوص صلاة الظهر ، عليه أن يتوضّأ لصلاة العصر أيضاً ، وأنّ هذا ما يفهمه المتشرّعة من روايات الوضوء والطهارة .
والخلاصةُ هي أنّ الحدث والطهارةَ ـ العارضتين على المكلّف ـ حقيقتان متضادّتان ، لا ثالث لهما ، لا يخلو المكلّف منهما ، كالنوم واليقظة تماماً ، وكالطهارة والنجاسة أيضاً ، فإنّ أحدث الإنسانُ مرّة أو عشرين مرّة فقد أحدث ، ولم يزد الحدث عليه ، ولو توضّأ مرّة أو عشرين مرّة فقد تطهّر وارتفع الحدث ، ولو نوى ما نوى من النيّات المشروعة ، ولو قيّد نيّته ما استطاع ـ طالما نوى القربة ولم ينوِ البدعة في دين الله ـ فقد حصلت الطهارة ، وهي أمر معنويّ بسيط ، ولا يوجد وضوء له أثر واحد ، ووضوء له أثران ، ووضوءٌ له ثلاثة آثار ، أصلاً وأبداً . حتى ولو قلتَ بأنّها تزداد شدّة مع تجديد الوضوء ، وأنّ الغسلَ أشدّ طهراً من الوضوء ـ كما في الروايات ـ لكنْ مع ذلك الوضوءُ للصلاة على الجنائز ولقراءة القرآن تنتجُ شيئاً بسيطاً هو الطهارة المعنويّة وهي مضادّة مع الحدث شرعاً ، فيترتّب على الطهارة تمام آثارها . أو قُلْ لا دليل على أنّ النية تقيّدُ آثارَ الوضوء .
(١٠٧٠) ئل ١ ب ١ من أبواب الوضوء ح ٩ ص ٢٥٧ .
٧٦٩
‹