سليمان ، وإلاّ لم يعُدْ لذكْر البَيّنة أيُّ قيمة وللغا ذكْرُها ، مع احتمال وجود خصوصية في مسألة أذان الثقة والتوكيل والعزل عنه وفي مسألة ثبوت الوصيّة بخبر الثقة وفي مسألة حجيّة قول ذي اليد وفي مسألة حجيّة خبر الثقة في الأحكام ، والأصلُ عدمُ حجيّة خبر الثقة ، ولعلّه لما ذكرنا ذهب المشهور إلى هذا القول ، فراجع ...
٭ لكنْ مع ذلك رأيتُ أخيراً خلافَ ما رأيتُه بالأمس فأقول واللهُ المستعان :
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(٩٠) يدلّ على حجيّة خبر العادل في الموضوعات بتقريب أنّ المراد من الآية الكريمة ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ ـ والقدرُ المتيقّن هو مجال الموضوعات ، وإن كان النبأ يشمل الأحكامَ أيضاً ـ فَتَبَيّنُوا ـ أي تأكّدوا ، وبالتالي لا داعي للتأكّد والتبيّن في غير مجال الفاسق وهذا يعني أنه بَيّن شرعاً ـ أن تُصيبوا قَوْماً بِجَهالة ـ أي لئلا تصيبوا قوماً بجهالة ، أمّا فيما لو كان الإعتماد على العادل وأخطأتم فلن يكون اعتمادُكم عليه جهالةً وإنما يكون علماً شرعاً ـ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ـ أمّا إن خسرتم رغم اتّباعكم خبر العادل فإنكم لن تندموا على اتّباعكم خبر العادل ، وذلك لأنه طريق عقلائي ، نعم أنتم سوف تحزنون على الخسارة ، ولكن هذا لا يُطلَق عليه أنكم ندمتم على اتّباعكم لخبر العادل الخبير ـ﴾ .
وبتعبيرٍ آخر : إن لم يوجد فرقٌ بين الفاسق والعادل في التبيّن والتأكّد فما هو الداعي لذكْر الفاسق ؟! ولاكتَفَى بذكْر كلمة "إنْ جاءكم شخصٌ بنبأٍ فتبيّنوا" وذلك لأنّ التبيّن والتأكّدَ حسَنٌ على كلّ حال ، ولا معنى شرعاً للزوم التأكّد قليلاً ـ إن كان عادلاً بذريعة أنه غالباً يورث الإطمئنان ـ أو كثيراً . أو ـ إن كان فاسقاً بذريعة أنه لا يخاف الله فلا يتورّع عن الكذب غالباً فليس هو طريقاً عقلائياً ـ وذلك لعدم الفائدة من قليل التأكّد وكثيره شرعاً ، لأنّ المناط سيكون حصولَ الإطمئنان وعدمه ، فإن حصل عندك اطمئنان فهو حجّة وإلا وجب التبيّن حتى وإن كان عادلاً .
ولك أن تقول : علّةُ التبيّن هي ﴿أَن تُصِيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ وهذه العلّةُ موجودة في الثقة أيضاً ، وذلك لاحتمال خطأ العادل أو كذبه لسبب يدعوه إلى ذلك ، ومع ذلك لم يأمرْنا الله تعالى بالتبيّن فيه ، وهو ظاهر في عدم لزوم التبيّن فيما لو كان عادلاً ، أي ثقة في نفسه ، وبما
الأقلّ ، وهذه طريقة معروفة ومشهورة بين علماء الحديث والرجال ، فالسند موثّق ، وكذا وصفها جملة من الأعلام كالشيخ الأنصاري وصاحب الحدائق وغيرهما .
(٩٠) الحجرات ـ ٦ .
١٠٤
‹