وشرَعَ في تجفيف بدنه ثم شكَّ في صحّة غَسْلِ بعض بدنه أو في أصل غسل بعض بدنه فإنه يبني على صحة غُسله وتمامه لقاعدة الفراغ ، فإنّ المراد من الفراغ والتجاوز الواردَين في الروايات هو الفراغ البنائي لا الفراغ الشرعي . ثم إنّ مرادنا من الشكّ هنا هو الشكّ الغير عقلائي ، لا الشكّ الناتج من العلم بالغفلة كما لو حصل له دهشةٌ من أمرٍ ما فاحتمل أن يكون قد فاته بعضُ الغُسل أو احتمل أن يكون قد ترك بعضَ الغسل متعمّداً ونحو ذلك من الأمور الخارجة عن المتعارف ، وذلك لأنّ الروايات ناظرةٌ إلى الشكّ الغير عقلائي الذي لا ينبغي أن يُهتمّ به .
(٦٥٤) شرحنا قاعدةَ الفراغ سابقاً ، ونذكرها هنا لفوائد أخرى لم نذكر أكثرها في السابق فنقول : تعبّدنا الشارعُ المقدّس بصحّة ما سبق لنا فعلُه في المرَكّبات ، حتى ولو كنّا لا نزال أثناء العمل ، وهو أمرٌ عقلائي أيضاً ، وترى هذا الأمرَ واضحاً في الروايات التالية :
روى في الفقيه بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللهﷺ أنه قال : « إذا شكَّ الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينُه حين انصرف أنه قد أتمّ لم يُعدِ الصلاةَ ، وكان حين انصرف أقربَ إلى الحقّ منه بعد ذلك »(١٧٩٢) صحيحة السند ، والتعليلُ ـ وهو كونُه في الوقت السابق أقربَ إلى الحقّ ـ يفيدنا أنّ العبرة هي أن ينتهيَ من العمل بلا فرق ـ في البناء على الإتيان أو على الصحّة ـ بين أن ينتهي من كلّ العمل أو ينتهي من بعضه ويشرع في الجزء المترتّب عليه لأنّ العلّة واحدة وهي « كان حين انصرف ـ من الجزء المشكوك ـ أقربَ إلى الحقّ منه بعد ذلك » . ولا شكّ أنّ مورد الرواية هو قاعدة التجاوز لأنّ الشكّ هو في أصل الإتيان بالعمل ، ولكنْ عمومُ التعليل يُفيدنا أيضاً شرعيةَ قاعدة الفراغ . ونستفيدُ من هذا النص ومّما بعدَه أنّ المراد من الفراغ والتجاوز هو الفراغ والتجاوز البنائيين ، أي الإنصراف البنائي ، كما لو بدأ بتنشيف نفسه أو بدأ بالصلاة ثم شكّ في أنه غسل قدمَه أم لا ، وبناؤه هو عدم تجفيف نفسه وعدمُ الصلاة قبل إتمام الغسل . يؤيّد ذلك ما رواه في يب عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد (بن عيسى) عن الحسين بن سعيد عن حماد (بن عيسى) عن حريز عن زرارة عن أبي جعفرﷺ ـ في حديث ـ قال قلت له :
(١٧٩٢) ئل ٥ ب ٢٧ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح ٣ ص ٣٤٣ .
١٢٠٧
‹