إضافةً إلى أنّ الأصلَ الإجتماعي هو عدمُ كونها قُرَشية حتى تثبت قرشيّتها ، وهذا أمر عقلائي معروف ، وهذا ليس استصحاباً شرعياً ، فإنّ الأصل عند جميع العقلاء عدمُ كون الإنسان من قبيلة ما حتى يثبُتَ كونُه منها ، كما أنّ الأصل العقلائي المسلّم أن لا يكون المال الفلاني الملتقط أو المجهول المالك لزيد حتى يثبُتَ ذلك ، مع غضّ النظر عن الإستصحاب الذي قد لا يؤمن به بعضُ الناس أو لا يعرفونه ، ولذلك يرى كلُّ العقلاء هذا الأمر فطريّاً وجدانيّاً بديهيّاً .
ولك أن تستدلّ بالإستصحاب العقلائي ، فقد علمتَ من روايات الإستصحاب بأنّ استدلال أئمّتناﷺ للإستصحاب كان عن طريق الفطرة العقلائية ، فانظر مثلاً إلى قولهﷺ ﴿ ... لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن ، وإلاّ فإنه على يقين من وضوئه ـ أي أنّ هذا الأمر فطريَ ـ ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ ، وإنما تنقضه بيقين آخر ﴾(١٨٤٨) ومثله قوله ﴿ لأنك كنت على يقين من طهارتك ، ثم شككت ، وليس ينبغي ـ أي لا ينبغي عقلائياً ـ لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً ﴾ ، فانظرْ إلى فاء التعليل في قولهﷺ ﴿ فإنه ﴾ فإنها إشارة واضحة إلى عقلائية الإستصحاب ، والفطرةُ العقلائية تقتضي جريان استصحاب عدم حيضيّتها عند رؤيتها الدم بعد الخمسين .
مثال ذلك : لو شكّ شخصٌ في أنه قد نذر أن يصلّيَ صلاةَ الليل سنةً أو سنتين أو أكثر ، فالقدرُ المتيقّن وجوبُ صلاة الليل عليه سنة واحدة ، والأكثرُ مشكوك ، تجري فيه أصالة عدم وجوب القدر المشكوك ، وهنا الأمرُ هكذا تماماً ، فالمرأة تأتيها العادة إلى الخمسين سنة ، وما يأتيها فوقَ ذلك مشكوكُ الحيضية ، فلا يمكن احتساب ذلك حيضاً حتى يثبت ذلك بدليل واضح ، فإنّ الأصل العقلائي أن لا يكون الدم دمَ حيض لأنّ الحيض حدثٌ ، والأصلُ أن لا يكون الإنسان محدثاً ، وبكلمة واحدة : الأصلُ أن لا يُحكَم بحيضيّة المرأة .
فإن قلت بمقالة المحقّق النا ﵿ وهو عدم صحّة جريان استصحاب عدم قرشيّتها ، وذلك لأنّ معنى قولك "الأصلُ عدمُ كونها قُرَشية" معناه قبل تكوّنها ، وهي قبل تكوّنها لم تكن موجودةً أصلاً ! فهذا العدمُ ـ في الحقيقة ـ هو من باب السالبة لانتفاء الموضوع ـ لأنه استصحابُ
(١٨٤٨) ئل ١ ب ١ من أبواب نواقض الوضوء ح ١ ص ١٧٤ .
‹