الطهارة
صفحة ١٢٩ من ٢٠٢٦

صدر من الشرع الحنيف جوازُ شراء اللحم من سوق المسلمين حتى وإن علمنا بوجود بعض اللحوم الغير مذكّاة فيه ، وورد أيضاً جوازُ شراء الجُبن حتى وإن علمنا بوجود بعض الجُبن الحرام فيه ـ لوجود أنفحة المَيتة فيه ـ ، ووقع الكلام بين الأعلام في سبب وتحليل ذلك ، هل هو الوقوع في الحرج أم السبب هو كفايةُ ضعف احتمال إصابة الشيء المشترى للحرام الواقعي لقوله ﷺ « أمِنْ أجْلِ مكان واحد يُجعل فيه المَيتةُ حُرّمَ في جميع الأرضين ؟! إذا علمت أنه مَيتة فلا تأكل ، وإن لم تعلم فاشتَرِ وبِعْ وكُلْ ، والله إني لأعترض السوقَ فاشتري بها اللحم والسمن والجُبن ، والله ما أظن كلهم يُسَمُّون ، هذه البربر وهذه السودان » وسندُ الرواية مصحّحٌ عندي بأبي الجارود (زياد بن منذر) فإنه عندي ثقة لتوثيق المفيد له ولمدحه مدحاً بليغاً ، ولتوثيق سعد بن عبد الله له ، نقله النجاشي في ترجمة زياد بن عيسى ، وقاله ابن فضّال ، نقله عنه الكشّي ، وقال العلاّمة ثقة صحيح ، ولا يضر فساد عقيدته بوثاقته .

وفي غير ما صَدَرَ من الشارع تحليلُه ـ كما في حالتنا المذكورة في المتن ـ هل نشرب من هذه الآنية المئة أو الألف الموضوعة أمامنا أم لا ؟

الجواب : إنه إن حصل اطمئنانٌ بعدم كون الإناء الذي نريد شربَه هو النجس الواقعي فالأمر واضح ، وأمّا إن لم يحصل الإطمئنان فالأحوط وجوباً الإجتناب ، وذلك لأننا نقول بأنّ المنجّز هو الفرد الواقعي ـ كما يقول أيضاً المحقّق ضياء الدين العراقي ﵀ ـ وتحليلُ فرد واحد من الألف يعني تلقائياً تجويزَ كلِّ الألف ، وهذا مرفوض عقلائياً ، لأنه يعني تجويز المخالفة القطعية وهو تجويزٌ لارتكاب القبيح الواقعي !! والإناءُ الثاني مثلُ الأوّل ، فلو جاز لنا شرب واحد لجاز شرب الثاني لنفس علّة شرب الأوّل ، وإبقاءُ بعضِ الآنية ـ سواءً كان الباقي قليلاً أو كثيراً ـ لا معنى له شرعاً ولا عقلاً ، وذلك لتساوي الأطراف من حيث احتمال كونه هو المتنجّس أو المغصوب ، إضافةً إلى أنّك لو شربتَ بعضَ الآنية لجاز ارتكابُ الباقي بالأولويّة ، وذلك لاحتمال كون النجس الواقعي هو المشروب الفاني ، فتصير الشبهةُ أشبهَ بالشبهة البدْويّة ، وقد لا يمنع العقل ـ بعد شرب بعض الآنية ـ من ارتكاب الباقي .

١٢٩