* نظرةٌ إلى قاعدة الفراغ :
لا شكّ في أنّ قاعدة الفراغ لا تجري إلاّ فيما إذا كان الشخصُ يعلم بالحكم والموضوع وشكّ ـ بعد الفراغ من العمل ـ في أنه هل تصرّف صحيحاً ، أم أنه ـ حين العمل ـ كان ساهياً أو ناسياً لبعض الشرائط أو الأجزاء أو أنه أخطأ في العمل لعدم التفاته .
دليلُنا ما ورد في الروايات :
فقد روى في الفقيه بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ﷺ أنه قال : « إذا شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدرِ أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينُه حين انصرف أنه كان قد أتمّ لم يُعد الصلاةَ ، وكان حين انصرف أقربَ إلى الحقّ منه بعد ذلك »(١٣٢) ، ورواها ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم ، صحيحة السند .
لاحظْ هذه الرواية ـ ومثلُها ما بعدها ـ تعرف أنّ هذا الشخص الشاكّ كان يعرف كيفية الصلاة ، إلّا أنه شكّ ـ بعد الفراغ من الصلاة ـ في صحّة عمله ، فهنا من المؤكّد أنّ العقلاء سيقولون له يجب عليك أن تبني على أنك كنت ملتفتاً حين العمل وأنّ الأصل العقلائي أنك لم تسهو(١٣٣)
(١٣٢) ئل ٥ ب ٢٧ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح ٣ ص ٣٤٣ .
(١٣٣) كَتَبَ أغلبُ العرب (لم تَسْهُ) من دون الواو ، أي جزموها بحذف حرف العلّة من آخره في الإملاء ، أي طبقاً للقاعدة المعروفة ، وكَتَبَ القليلُ منهم (لم تَسْهُو) بتثبيت الواو ، والأنسبُ مع الوجدان العربي تثبيت الواو ، فأنت تجد بوجدانك أنّ الأنسب أن تَكتُبَ هكذا (لم يَسْهُو رسول الله ﷺ في حياته ولم يَلْهُو) و (هذه البيضةُ لم تطفو على وجه الماء) على أنّ المدّ في اللفظ ثابت بالإجماع ، وإنّهم حذفوا حرف العلّة من آخر الكلمات فكتبوا (زيدٌ لم يأت إلى المدرسة) (اللهم صَلّ على محمد وآل محمّد) مع أنّ مثل كلمة "لم يسهو رسولُ الله" تُمَدّ ـ لَفظاً ـ عند العرب . نعم ، حذفُ حرف العلّة من (سَلْ زيداً يُخْبِرْكَ) و (أنت قلتَ الجوابَ أمّا زيدٌ فلم يَقُلْهُ) و (لم يجئ زيد) و (قِفْ هنا) صحيح بلا شكّ لأنها في وسط الكلمة أو في أوّلها ، وهي لا تلفظ !! فكان دليلُهم هو قياسُ (لم يَسْهَ) و (لم يَنْس) على (لم يجئ) (لم يَقُلْ) (لم يَخَفْ) (قِفْ) . واستدلّوا أيضاً بأنهم إنما حذفوا حرف العلّة من آخر الكلمة للتفرقة بين ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تنسَى﴾ النافية الموجودة في القرآن الكريم و (سنقرئك فلا تنس) الناهية . ودليلُهم هذا لا يصحّ فيما لو كانت الجملة واضحة المعنى مثل (لم يسهو النبي ولم يلهو) !! على كلٍّ ، رَغْمَ ما قلناه فنحن لا نتجرّأ على كتابة (صَلّي) أو (لم يأتي) بالياء ، خاصّة وأنّ المكتوب في القرآن الكريم ﴿ولا تُصَلِّ على أحد منهم﴾ من دون الياء .. لأنّ الشاذّ يُتّهَمُ مِنْ قِبَل الجهلاء .. والإنسانُ عدوُ ما يجْهَلُ ، وأنا أظنّ أنّ الكثير من الخبراء ملتفتون إلى ما قلناه ، لكن البقاء على
١٣٨
‹