الظاهر أنّ وجوب غسل الدم هو من الباب الثاني لعدّة قرائن :
منها : إنكَ ترى الشارع المقدّس يحكم بطهارة الدم المتبقّي في الذبيحة وخاصةً الدم الموجود في كبد الذبيحة ، مع أنه نفس الدم الذي يحكمون بنجاسته ، وكذا يجوز أكلُ جنين الحيوان الذي ذكّينا أمّه ولم نَلْحَقْ على إخراجه من بطنها وذبْحِهِ ، فإنه يجوز أكله مع أنه لم يخرج منه شيءٌ من الدم !
ومنها : أنّ الدم إذا كان دون الدرهم .. معفوّ عنه في الصلاة .
ومنها : أنّ الشهيد لا يغسّل ولا يكفّن ، وإنما يُدفَنُ بثيابه الممزوجة بالدم ، وادّعي على ذلك الإجماع ، ويبعد الحكم بنجاسة هذا الدم نجاسة قذارةٍ ، مع أنه نفسُ الدم الذي نحكم بنجاسته قبل استشهاده بلحظة !
ومنها : ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن العمركي (بن علي بن محمد البوفكي النيشابوري له كتب ثقة) عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفرﷺ عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه ؟ فقالﷺ : « إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئاً بَيّناً فلا تتوضأ منه » صحيحة السند.
ومنها وأخيراً : إنّي أستبعد قذارة الدم الموجود في شرايين الناس ، ولا أشعر بقذارته أصلاً ، لا ، بل به قوامُ حياتهم ، ويُعرف القويّ النشيط من تورّد وجهه ، والضعيفُ من اصفرار وجهه ، لا ، بل إنّي لا أستطيع على القول بأنّ دم المعصومينﷺ الموجود في شرايينهم المباركة هو نجس نجاسة قذارة والله تعالى يقول ﴿ويطهّركم تطهيراً﴾ وخاصةً دم الإمام الحسينﷺ في كربلاء .
قد لا يكون لهذا البحث فائدةٌ ، لوجوب غسل البدن وثياب المصلّي من الدم على كلّ حال ، سواء قلنا بقذارته الذاتية أم بعدم تناسبه مع عبادة الله جلّ وعلا ، ولذلك تراني أقول بنجاسته بمعنى وجوب غسله ، فأُكملُ البحث على أساس هذا المعنى وأقول :
الدم الخارج من بين الأسنان نجس ـ بمعنى يجب غسله كما قلنا ولن نكرّر ـ حتى ولو كان داخل الفمّ ، ولا وجه للقول بطهارته ، وكذا الدمُ نجس سواء كان في الشرايين أم خارجَ بدن الإنسان ، والإبرةُ التي تدخل في جسم الإنسان إن لامست الدمَ في باطن الجسم فقد تنجّست ، وذلك لعدم تغاير ماهية الدم بين كونه في باطن الإنسان أو خارجه .
وما استُدِلَّ به على الطهارة في باطن الجسم هو وَهْمٌ في وَهْمٍ .
١٧٤
‹