الطهارة
صفحة ١٧٦ من ٢٠٢٦

وهو استدلال عجيب ! فمن الطبيعي أنه يجب أن يغسل ما ظهر من الأنف ، وأمّا أن يغسل باطنه فهو أمرٌ غير عقلائي ، ويوقع الإنسانَ في الحرج ، إذ أنه على فرض سيلان الدم من الأنف كيف يمكن تحصيلُ الإطمئنان بزوال الدم من الباطن ؟! على أنّ لك أن تقول : عدمُ وجوب غسل الباطن هو من باب المنّ الإلهي أيضاً ، وأمّا حكمه فينبغي أن يرجع فيه إلى عمومات نجاسة الدم ، لكنه طالما هو في الباطن فإنه معفو عنه بلا شكّ .

على أيّ حال ، فلم أجد دليلاً اجتهادياً ـ من آية أو رواية ـ على طهارة أو نجاسة النجاسات إذا كانت في باطن الإنسان أو الحيوان .

وادّعاءُ عدم الخلاف في طهارتها في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ليس بشيء للظنّ باستنادهم في ذلك إلى بعض الروايات التي يذكرونها ممّا لا تدلّ عندنا على طهارتها في الباطن.

على أنّ في صحّة ادّعاء عدم الخلاف في طهارتها شكّاً واضحاً بعدما قال السيد الحكيم في مستمسكه "بل لولا ظهورُ التسالم على الحكم بنجاسة الأعيان النجسة في الداخل لأمكن القول بطهارتها ما لم تخرج ، لأنّ أدلّة نجاستها لا إطلاق فيها يشمل حال كونها في الداخل" .

واستنادُ بعضهم على أصالة الطهارة للشكّ في أصل نجاستها في غير محلّه أيضاً ، وذلك لأنه طالما ثبت أنها إن خرجت إلى الخارج صارت نجسة فلماذا ـ إذَنْ ـ لا نقول باستكشاف نجاستها ذاتاً لكنها معفوٌّ عنها تعبّداً إذا كانت في الباطن ، وإنّ هذا لا يضرّ بطهارة أولياء الله الذين يحافظون على طهارتهم بدنياً وروحياً .

ولذلك إذا خرج من لثّة إنسان دمٌ فهو نجسٌ ذاتاً ، لأنه من المستبعَد جداً أن يكون هذا الدم طاهراً في الباطن حتى ولو فتح الإنسانُ فمَه ولاقى الهواء ، فإذا خرج الدم صار نجساً ! أو قل : إنْ كان الدم في الفم على اللسان وبقي اللسان داخل الفم كان طاهراً ، فإذا أخرج لسانَه ـ وعليه دمٌ ـ صار الدم نجساً ! وهذا شيء عجيب ، فإنّ ما نفهمه من كلمات الشارع المقدّس أنّ النجاسات هي في الواقع قذارات ، وإنما حرّم اللهُ أكلها أو شربها لخباثتها ، ومن المستبعَد أن تكون نظيفة داخل الفم أو الأنف فإذا خرجت صارت نجسة !

وعليه فإذا أدخل شخصٌ إصبعَه في فمه وفي الفم دمٌ فالأحوط ـ إن لم يكن أقوى ـ تطهيرُ يده حتى وإن لم يكن على يده دمّ . وهكذا إذا خرج من أمعاء شخصٍ حبّةُ ما أو دودة ولم تكن تحمل شيئاً من النجاسة فإنه يجب على الأحوط ـ إن لم يكن أقوى ـ تطهيرُ ما لاقته برطوبة ، وكذا

١٧٦