أيضاً لو جَزَم الشخصُ بأنه لن يُنقذَ الغريقَ ، وقد ذكرنا ذلك بتفصيل في بحوثنا في مرحلة الدراسات العليا .
وهكذا تعرف كيفيةَ الجمع بين الوجوب الكفائي على الجميع وكون الأولوية لخصوص الوليّ ، ولذلك لو امتنع الوليُّ من ذلك فإنه يعصي وتسقطُ الأولوية عنه وتنتقل إلى سائر الناس فيصير التكليفُ الفعليُّ عليهم منجّزاً ، وذلك كما في مورد عضل الأب لابنته من الزواج من الكفؤ ، فإنّه ـ بحسب الأصل ـ وليُّها في الزواج ويَشترَطُ إذْنُه ، ولكنه لو رفض الزوجَ بلا وجه عقلائي فإنّ إذنَه يَسقُطُ شرعاً وتصير الفتاةُ البالغةُ الراشدة وليّةَ أمْرها في الزواج .
طبعاً لا كلام في الدفن ، وذلك لأنه مع الدفن ـ ولو من المجنون أو من الزلزلة ـ ينتفي الموضوع ، فإنّ نبش قبره لأجل عدم الإستئذان من الوليّ حرامٌ شرعاً .
والكلمة الثالثة : قُلنا في النقطة السالفة الذكر إنّ الإستئذان مِنَ الوليّ إنما هو لأجل احترام ورثة الميّت في مصابهم الجَلَل ومن أجل مجاملتهم ، وأنّ تعرُّضَ الأجانب لإجراء التجهيزات بالميّت من دون الإستئذان مِنَ الورثة هو أمرٌ مخالفٌ للياقة الإجتماعية ، بل قد يكون ذلك علةً لنشوء النزاعات والخصومات بين الناس ، وليس وجوب الإستئذان منهم هو شرطاً في صحّة تغسيل الميّت وتحنيطه وتكفينه من قِبَلِ الغَير ، وليست هذه التجهيزات من دون إذنه مبغوضةً شرعاً . ولك أن تقول : الولايةُ على الميّت في هذه الأمور بحيث يَحْرُمُ علينا تغسيلُ الميّت أو يبطُلُ غُسلُه ـ لو غسّلناه من دون استئذان مِنَ الورثة ـ لم تَثْبتْ شرعاً بنحو القطع وإنما قلنا بها من باب الإحتياط لا أكثر وذلك تمسّكاً بإطلاق آية ﴿وأولوا الأرحام﴾ ولما ورد في رواية غياث بن إبراهيم الرزامي الذي لم يُترجَم في كتب الرجال .
على كلٍّ ، المسألةُ في الحقيقة هي مسألةُ احترام ومجاملة لورثة الميّت ليس أكثر ، وهو أمرٌ يَشعُرُ به كلُّ العقلاء في العالم ، ودينُ الله لا يخالف أحكامَ العقل أصلاً وأبداً ، بل الله تعالى هو رئيسُ العقلاء ، فالمهم في المسألة أن يُغَسّلَ الميّتُ ويحنّطَ ويكفّنَ ويصلَّى عليه ويدفَن ، هذا هو المهم ، وهذا كلّه لأجل أنه حقُّ الميّت علينا ، أمّا الإذنُ والإستئذان فقضية أخرى وهي ـ كما قلنا ـ قضيةٌ إحترامية إجتماعية نظامية يجب مراعاتها على الأحوط ، ولذلك لو رفض الورثةُ تغسيلَ مَيّتهم أو تحنيطَه أو تكفينَه أو الصلاةَ عليه فإنّ إذنَهم يسقط ، ولذلك أيضاً لك أن تقول بأنّ وجوب الإستئذان من الورثة هو حكم تكليفي لا أكثر ، وهذا لا يَضُرُّ بالأحكام الوضعية
١٧٧٥
‹