أمّا قولهﷺ « ينزع عن الشهيد .. العَمَامَةْ » أي لا تُدفن معه ، فلعلّ السبب هو لكي توضع عمامتُه فوق تابوته كما يفعلون اليومَ ، ولتبقى ذكرى منه لأولاده فيَلْبِسُونها ويفتخرون بها إلى وَلَدِ الوَلَد ، وكذا سائر ما ذُكِرَ كسراويل الشهيد .
وأمّا قولهﷺ « والسراويل » فقد قال الزمخشري عنها في (الفائق في غريب الحديث) بأنه "تِبّان الملّاحين" وهو معروف عندنا بلونه الأبيض وهو أيضاً تبّان الطفل الصغير الذي يتّصل قميصُه بسرواله ـ أي ببنطلونه بتعبيرنا العامّي ـ فهما قطعة واحدة . وقال ابن الجوزي في (كشف المشكل من حديث الصحيحين) : "التّبّان : سراويل إلى نصف الفخذ يلبسها الفرسان والمصارعون" وقال غيرهما : "التّبّان : سراويل صغيرة ـ معَرَّب : تمبان بالفارسية ـ يكون للملّاحين" . ومنَ المطمأنّ به ـ لأكثر من سبب ـ هو أنّ المراد منه في الرواية هو التبّان الحديدي المشبّك الذي كانوا يَلْبِسونه في الحروب إلى الركبتين لأنّ المقام في الرواية هو مقامُ الحرب ، فهو ليس من الثياب لأنه لو كان من الثياب لما جاز نزْعُه منه ، ولذلك قال أمير المؤمنينﷺ بأنه « يُنزعُ عن الشهيد ... والسراويل » . ولو فرضنا أنه من الثياب فإنه لا يمكن لنا الأخذُ بهذه الكلمة لأنها معارَضةٌ بالروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة بأنها لا تُنزَعُ منه لأنها ثياب .
ولذلك قال الشيخُ أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي ـ كما نقلنا عنه قبل قليل ـ : "المقتول في المعركة ... لا تنزع عنه إلا سراويلُه .." وكذا قال ابن الجنيد والشيخ المفيد وذلك لأنها ليست من الثياب .
على كلٍّ ، مع الشكّ في كون شيء ثياباً ـ كالحزام المصنوع من الجلد والجوارب ـ فإنه يجوز في هذه الشبهة المفهومية ـ ولك أن تقول الشبهة الموضوعية ـ أن يُنزع وذلك لأصالة البراءة ، فإنك إن كنتَ تلبسُ طفلَك مثلاً حزامَه المصنوع من الجلد فإنه قد لا يقال إنك تُلبِسُه ثيابَه ، وإن نزعْتَ عنه ذلك فإنه قد لا يقال بأنك تنزع عنه ثيابَه ، وأوضحُ من ذلك الجواربُ ، ولا أقلَّ من الشكّ والترددّ في ذلك . وح فلو أرادوا أن يدفنوا هذه الأشياء المردّدة مع الشهيد فيجب أن يأخذوا الإذن من كافّة الورثة في ذلك ، لأنّ المال مالُهم ، ويجب أن يحذروا من أن يقعوا في الإسراف المحرّم .
﷽ والملاحظة الثانية : هي أنّ قول السائل : كيف رأيت الشهيدَ يُدفن بدمائه ؟ فقال الإمامﷺ : « نعم ، في ثيابه بدمائه ، ولا يُحنَّطُ ولا يُغَسَّلُ ، ويُدفَنُ كما هو » لا يعني وجوبَ أن يُدفَنَ
١٩٠٥
‹