ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم .. وإنما الإنفحة بمنزلة دجاجة مَيتة أخرجت منها بيضة . . » إشارة إلى كون الإنفحة هي من قبيل الجلد .
وقال الفيض الكاشاني في الوافي : "الإنفحة شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر فيعصر في صوفة فيغلظ كالجُبن ويقال لها بالفارسية مايه پنير ) ، والسر في كونها ذكية أن الموت لا يعرضها لأنها لا روح فيها والموت فرع من الحياة وكذا القول في سائر الأشياء التي يأتي ذكرها وأنها ذكية" .
ولكنْ في النفس شيء وهو أنهم اختلفوا كثيراً في معنى الإنفحة ، فقد ذكر في لسان العرب معنيين للإنفحة فقال : "الإنفحة ـ بكسر الهمزة وفتح الفاء مخفّفة ـ هي كَرْشُ الحَمَل أو الجَدي ما لم يأكل وما دام يرضع ، فإذا أكل ورعَى النبتَ صار كَرْشاً ، وقال الأزهري عن الليث : الإنفحة شيء يستخرج من بطن ذيه ، أصفر ، يعصر في صوفة مبتلّة في اللبن فيغلظ كالجُبن" (إنتهى ما في لسان العرب) . إذن هو ذكر المعنى الأوّل السالف الذكر ، وذكر معنى آخر .
وأيّدَ جماعةٌ المعنى الثاني ـ منهم العلاّمة في القواعد ـ فقالوا : "الإنفحة هي لبن مستحيل في جوف الحَمَل أو الجَدي" ، وكذا قال الشيخ علي بن الشيخ باقر ابن الشيخ محمد حسن الجواهري (متوفّى ١٣٤٠ هـ ق) فقد قال : "لا يبعد كون الإنفحة هي ما في الجلد لا نفس الجلد".
هذا ولكن يطمئن الإنسان للمعنى الأوّل ، خاصةً لما قاله السيد السبزواري في مهذّب أحكامه ، قال : "المعنى الثاني : السطح الداخل من وعاء ذلك الشيء الأصفر الذي يفعل فعله ويجبَنُ به أيضاً ، إما لوجود أجزائه فيه ، أو لاكتسابه ذلك بالمجاورة ، ويطلق عليه الإنفحة عند العرف وأبناء المحاورة ، ومقتضى الإطلاقات والعمومات طهارته أيضاً ، لوجود المقتضي ـ وهو الصدق العرفي ـ وفقد المانع ، فتشمله الأدلة بلا مانع" (إنتهى) . مع أنّ كونه مما تحلّه الحياة الحيوانية حتى يتنجس بالموت غير معلوم وذلك لاشتماله على المظروف الطاهر .
إن قلت : نعم ، ولكن يظهر من خبر أبي الجارود وجوبُ الإجتناب عن إنفحة المَيتة ، قال : سألت أبا جعفرﷺ عن الجُبن فقلت له : أخبرَني مَن رأى فيه يُجعل فيه المَيتة ! فقال : « أمن أجل مكان واحد يجعل فيه المَيتة حرم في جميع الأرضين ؟! إذا علمت أنّه مَيتة فلا تأكله وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل ، والله إنّي لأعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجُبن ، والله ما أظنّ كلَّهم يسمون هذا البربر وهذا السودان » ، إذ المراد بالمَيتة إنفحة المَيتة ، لا نفسها .
١٩٧
‹