إذن ، مع عدم اندراس الميت فيه لا يجوز دفن ميّت آخر حتى ولو كانت الأرض وقفاً عامّاً لدفن الأموات ، وذلك لاستلزامه النبشَ المحرَّمَ ولأنه صار حقّاً للغير لِسبْقه إليه ولكونه بمنزلة الحِرْز له ، ولذا تُقطع يدُ السارق منه . وعن الذكرى دعوى الإجماع على الحرمة . وأمّا مع الإندراس فإن كانت الأرض مملوكة كما إذا اشتريت لدفن الميت فلا إشكال أيضاً في عدم الجواز إلا بإذن أصحاب الأرض . وأما إنْ كانت الأرض وقفاً عاماً أو مباحةً بالأصل وفُرِض اندراسُ القبر واندراسُ الميت فيه فالمحكي عن جماعة هو الجواز وقطَعَ به في كشف اللثام ، بتعبير آخر : إذا صار الجسد تراباً بحيث لم يبَقَ منه شيءٌ فلا يصدق على ظهور قبره ـ ولو بالحفر ـ عنوانُ ظهور الجسد ولا يصدق عنوانُ الهتك كما إذا أريد دفن ميت آخر فيه . واستدل له في الجواهر بأنه لولاه للزم تعطيلُ كثير من الأراضي ولأنه لا يدخل تحت مُسَمّى النبش ولعدم بقاء الميت فيه حتى يكون ذا حقٍّ يمنع حقُّه عن التصرف فيه ، وهذا جيد في من لا يصح له اعتبارُ البقاء بعد اندراس قبره ، وأمّا في مَن صح ذلك فيه فجوازُ النبش مشكل كقبور العلماء والشهداء والصلحاء وأولاد الأنبياء والأئمةﷺ إذا فرض القطع باندراس أجسادهم في قبورهم وصيرورتها تراباً فضلاً عمّا إذا شُكَّ في ذلك أو قُطع بعدمه كما حُكِيَ ذلك في كثير منهم رضوان الله عليهم وذلك لمنافاته للتعظيم وما فيه من الهتك بالنسبة إلى أمثالهم خاصةً مع معلوميّة عدم اندراس أجساد المعصومين والأولياء عليهم السلام جميعاً.
وبتعبير آخر ، القبور الواقعة في الأراضي المباحة إنْ كان الدافنُ قد قصد بدفن ميته تملّك الأرضِ فمقتضى القاعدة صيرورتُها ملكاً له فيكون حكمُه حكمَ الدفن في المكان الخاص المملوك ، وإن لم يقصد التملك فالظاهر بقاءُ الأرض على ما هي عليه من الإباحة فيجوز تخريبُها بعد اندراس الميت . ولو دُفن الميّت في مدرسة أو في مسجد ونحو ذلك من الموقوفات العامّة الموقوفة على غير الدفن حيث يُعَدُّ الدفنُ فيها تصرفاً منافياً لعنوان الوقف فعلى الدافنين إخراجُه ودفنُه في مكان مباح .
والأحوط مع عدم الحاجة عدمُ التخريب مطلقاً لا سيما في الأراضي المباحة . هذا ، ويلزمُ إبقاءُ قبور مَن يجب تعظيمه من العلماء والصلحاء وأولاد الأئمة عليهم السلام الذين قبورهم ملاذ للمؤمنين ومزار للمسلمين ومحفوفة بأنواع التعظيم والتبجيل .
ثم إنّ اندراس الميت وبِلَى جسده يختلف باختلاف الأراضي فمع القطع باندراسه فلا إشكال ، وأمّا مع الشك فإنه يُستصحَبُ عدمُ الإندراس وبالتالي يُحكَمُ بحرمةِ النبش ، وفي جواز
٢٠٠٠
‹