بها ونأخذ بها ، ولكن ثبوت هذا الإرتكاز بنحو واضح عند المسلمين يجعلنا نتوقّف حتماً عن القول باستحالة الدم المطبوخ بالنار ثم بطهارته ، وإن كنّا لا نستبعد ذلك في عالم الواقع إذا ذهبت قذارته بالنار ، خاصّةً وأنّ قذارة الدم هي من أقلّ النجاسات قذارةً ونجاسةً ، ولذلك حكم الشرع بطهارة الدم المتخلّف في الذبيحة مع أنه نفس الدم المسفوح النجس عيناً وذاتاً ، ولذلك نحكم أيضاً بطهارة الدم المنتقل من الإنسان إلى البرغوث مع أنه من دم الإنسان ، خاصّةً وأنه في ذلك الزمان ـ حيث لا يتوفر الماء الكرّ إلاّ نادراً ـ لم يكن يمكن للجزّارين تطهيرُ الذبيحة بالماء القليل بنحوٍ يقيني بحيث لا يبقى من الدم المسفوح على عنق الذبيحة وأطرافه وعلى السكّين شيء منه ، ومع كلّ ذلك تساهل الشارع المقدّس مع الناس وحكم بطهارة اللحم المأخوذ من المسلمين . المهم هو أنّ المظنون صحّة هذه الروايات السالفة الذكر لكن التجرّؤ على الإفتاء بها يحتاج إلى الإمام الحجّة (عليه صلوات الله) ، خاصّةً وأنها معارضة بما يلي :
١ ـ روى في الإستبصار عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيهﷺ أنّ عليّاًﷺ سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة ؟! قالﷺ : « يهرق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل »(٢٩٦) لا بأس بسندها ، لكنها لا تفيدنا لكون الفأرة سوف تسمّم قطعاً ، فيجب إراقة المرق قطعاً .
٢ ـ وفي التهذيبين قال : بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا وما أحسبه إلا حفص بن البختري قال لأبي عبد اللهﷺ في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال : « يباع ممن يستحل أكْلَ المَيتة »(٢٩٧) ، ومحلّ الشاهد أنه إن كانت النار مطهّرة لَذَكَرَﷺ ذلك ، وما كان ليقول بأنه يبيعه ممن يستحلّ أكْلَ المَيتة . ولكنها أيضاً لا تفيدنا في المعارضة أوّلاً لإرسالها ، وثانياً الماء النجس أعمّ من الدم ، ولا أعرف غير الشيخ الطوسي يقول بهذه المقالة في كتأبيه النهاية والإستبصار ، فالإفتاء على طبق هذه المرسلة في غاية الإشكال .
* * * * *
(٢٩٦) ئل ١ ب ٥ من أبواب الماء المضاف ح ٣ ص ١٥٠ .
(٢٩٧) ئل ١ ب ١١ من أبواب نواقض الوضوء ح ١ ص ١٧٤ .
٢٩٠
‹