الطهارة
صفحة ٣٦٨ من ٢٠٢٦

الأُولى : لا شكّ أنّ العلم الإجمالي ينجّز التكليفَ الواقعي الضائعَ ، بمعنى أنه يوجبُ الموافقةَ القطعية ، فلو كان أحدُ الآنية متنجّساً لزم اجتنابُ جميع الأواني احتياطاً ، أي خوفاً من أن نقع في المخالفة الواقعية والقبيح الواقعي ، أي خوفاً من أن نشرب المتنجّس الواقعي ، إذن فالعلّةُ للزوم الموافقة القطعية هي منجّزيّة الفرد الواقعي الضائع . وكذا لو فرضنا أنه قد حصل شكٌ بين وجوب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر مثلاً ، فإنه إدراكاً للواقع يجب الجمع بينهما ، وهذا قول المحقّق العراقي وعلى ما في بالي هي مقالةُ الشيخ الأعظم الأنصاري والسيد محسن الحكيم أيضاً .

الثانية : لو فرضنا أنّ بعض الأواني المتنجسة كانت خارجَ محلّ الإبتلاء ، كما لو كنّا نعلم بنجاسة أحد إناءين ، إمّا الإناء الذي تحت ابتلائنا الآن ، وإمّا ذاك الإناء الذي أخذه معه أحدُ المسافرين إلى الصين بحيث لن نصل إليه عادةً ، فهنا أيضاً يجب الإجتنابُ عمّا هو محل ابتلائنا وذلك لبقاء العلم الإجمالي واقعاً .

فإن قلتَ : هذا غيرُ صحيح ، لأنّ العلمَ الإجمالي ليس بنفسه علّةً في تنجيز متعلّقه ، وإنما تنجيزُه مستندٌ إلى تساقط الأصول في أطرافه بالمعارضة ، أو قلْ : لا تجري الأُصولُ المؤمّنة في الإناء الذي أخذه الصينيُ معه إلى الصين مثلاً ، لأنّ جريانها فيه لغوٌ محض ، فتجري الأُصولُ المؤمّنة في هذا الذي معنا من دون معارض ، ومثلُه ما لو طهّرنا الإناءَ الثاني ، فلنا أن نشربَ الإناءَ الأوّل ، لنفس السبب ، وهو جريانُ الأُصول المؤمّنة في الطرف الذي لم نطهّرْه بلا معارض ، وكذا لو وقع أحدُ الإناءين في بئر عميق ولن نصل إليه عادةً ، وكذا ما لو اضطُررْنا إلى شرب أحد الإناءين لكونه دواءً ضرورياً لنا ، فلنا بعد شرب الدواء أن نشرب الإناء الثاني ، وهذا ما يعبّرون عنه بالإنحلال الحُكْمي .

والسيد الخوئي﵀ فصّلَ بين ما لو كان خروجُ بعض أطراف العلم الإجمالي عن محلّ الإبتلاء عقلياً أو عادياً ، فإن كان خروجه عن محلّ الإبتلاء عقلياً فإنّ الأُصول المؤمّنة تجري في الطرف الباقي بغير معارض ، وإن كان خروجه عادياً فإنّ العلم الإجمالي يبقى ولا يحصل الإنحلالُ وح لا يجوز ارتكاب الطرف الباقي .

قلتُ : ما ذُكِرَ هو من الإشتباهات الكبيرة والخطيرة ومخالِف للعقل ، فإنّ العلم الإجمالي لم يَزُل أصلاً ولا يزال ، فهو قائم في الذهن ، وأحدُ أفراده موجودٌ أمامنا ، ولعلّه هو المتنجّسُ الواقعي ، والعلمُ الإجمالي لا يزال عند كلّ العقلاء قائماً ، وهذه عقول البشر حاكمةٌ بيننا

٣٦٨