، والترخيصُ في ارتكاب أحد الأطراف هو ترخيص في القبيح ، وهو غير ممكن عقلاً ، فإنّ العقلاء يرَون أنّ وجود حكم واقعي بين الأطراف علّةٌ تامّةٌ لوجوب الموافقة القطعية ، وقضيّةُ جريان الأُصول المؤمّنة في الطرف الباقي عندنا من غير معارض كلامٌ بلا أساس ، وخيالٌ في خيال ، لأنه ترخيص قبيح عقلاً ، كما لو كان ترخيصاً في شرب النجاسة المحتملة المحصورة بين أطراف قليلة ، أو قُل هو ترخيص في ارتكاب محتمل القبح ، فصحيح أنه لا تجري الأُصول المؤمّنة في إناء الصين لغويّته ، ولكن هذا لا يمنع من لزوم ترك الإناء الذي هو محلّ ابتلائنا ، لسبب أنه أحد أطراف العلم الإجمالي حقيقةً ، أو قُل : العلمُ الإجمالي حقيقة موجودٌ ، فهو ينجّز الإناءَ الذي تحت ابتلائنا قطعاً .. ولذلك ترى الفقهاء لا يفهمون من الأدلّة المؤمّنة أنها تجري أيضاً في موارد العلم الإجمالي ، ولذلك ترى القائلين بجريان الأُصول المؤمّنة في الإناء الباقي لن يشربوا منه أصلاً ، والسلام .
نعم ، إذا كان خروجُ بعض أطراف العلم الإجمالي عن محلّ الإبتلاء لكثرة أطراف العلم الإجمالي ـ كما في مثال سوق المسلمين ـ فلا شكّ في جريان الأُصول العملية المؤمّنة في جميع الأطراف ، بما فيها ما هو واقع تحت ابتلائنا ، فإنّ الله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، وبمقتضى الرحمة الإلهية التي كتبها على نفسه أجاز لنا أن نشتريَ من سوق المسلمين ونعتبر كلّ شيء فيه طاهراً ومذكّى ، وما ذلك إلاّ رحمة منه وفضلاً . وبتعبيرٍ آخر ، في مورد سوق المسلمين لم يرتفع تنجيز العلم الإجمالي ولكنْ مصلحةُ التسهيل غلبت مفسدة احتمال ارتكاب القبيح .
وقد روى أحمد بن أبي عبد الله البرقي في المحاسن عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود قال : سألت أبا جعفرﷺ عن الجُبن فقلت له : أخبرني مَن رأى أنه يُجعل فيه المَيتة ، فقال : « أمِنْ أجْلِ مكانٍ واحدٍ يُجعل فيه المَيتة حُرِّمَ في جميع الأرضين ؟! إذا علمْتَ أنه مَيتة فلا تأكُله ، وإن لم تعلم فاشترِ وبِعْ وكُلْ ، واللهِ إني لأعترضُ السوقَ فأشتري بها اللحمَ والسمنَ والجُبنَ ، واللهِ ما أظنُّ كلهم يُسَمّون (مأمون ـ خ) ، هذه البربر وهذه السودان »(٤٣٤)
(٤٣٤) ئل ج ١٧ ب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ح ٥ ص ٩١ .
٣٦٩
‹