أقول : يُشكَلُ على كلامهم هذا بأن المتشرّعة يرَون أنّ النجاسة لا تحصل إلاّ بسرايتها إلى الملاقَى ، هذا الإرتكاز قرينة قوية على تقييد الروايات السابقة وانصرافها بوضوح إلى خصوص حصول انتقال النجاسة إلى الملاقَى ووجود رطوبة مسرية بينهما . وموثّقةُ عمار « اِغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذَ ميتاً سبع مرات » غير ناظرةٍ إلى وجود رطوبة مسرية أو لا ، إنما هي ناظرة إلى عدد الغسلات .
(١٧٣) لا شكّ عند كلّ المتشرّعة أنه إنْ كان الملاقي للنجس أو المتنجّس مائعاً تنجس كله كالماء القليل المطلق والمضاف مطلقاً ، والدهن المائع ونحوه من المايعات ، وقد ورد في هذا عدّة روايات ، ولا بأس أن نتبرّك بذكْرِ رواية واحدة فقط في ذلك : فقد روى في يب بإسناده الصحيح عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي جعفرﷺ قال : « إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فإن كان جامداً فألْقِها وما يَليها وكُلْ ما بَقي ، وإن كان ذائباً فلا تأكُلْهُ واستصبِحْ به ، والزيت مثلُ ذلك »(٤٤٩) .
(١٧٤) جرت العادة في بعض البلاد بصبّ ماء الورد على يد الضيف في بعض المناسبات ، فلو صَبّ شخصٌ ماء ورد على يد متنجّسة فإنه لا ينجس بوضوح لأنّ التدافع يمنع من سراية القذارة إلى داخل الإبريق ، ولا داعي ـ بعد وضوح المسألة ـ للقول بجريان قاعدة الإستصحاب في ماء الإبريق ، وكذا لو كان التدافع من الأسفل إلى الأعلى كما في النافورة فإنّ السراية لا تحصل إلى الأسفل ، وكذا لو كان الشخص في الحمّام مثلاً وكلّه ماءٌ وكان واقفاً على أرضٍ متنجّسة فإنّ السراية لا تسري من الأرض إلى كلّ جسده ، ولا أقلّ لوجود شكّ في هكذا سراية بعيدة عن مرتكزات الناس ، فتستصحب الطهارة ، ويقتصر في الحكم بالنجاسة على أقل قدر متيقّن وهو المتاخم للأرض ، بل هذا أمر واضح عرفاً ، ولذلك أجمع المحققون على ذلك .
(١٧٥) بناءً على ما ذكرنا مراراً يجب القول بأنّ كلّ موضع شككنا في سراية النجاسة إليه فإنه يجب استصحابُ طهارته ، وذلك كالبطيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسةُ جزءً منها فإنه لم يُعلم بأنّ بقية الأجزاء قد سرت إليها النجاسة ، فيجب استصحابُ طهارة سائر الأجزاء ، وبالتالي يكفي غسلُ موضع الملاقاة .
(٤٤٩) ئل ١ ب ٥ من أبواب الماء المضاف ح ١ وما بعده ص ١٤٩ .
٣٨٢
‹