نعم لا شكّ في أنّ المتنجّس الثاني(٤٥٤) لا ينجّس ، فلو تنجّستْ يدُك اليمنى فنشّفتها بمحرمة ـ أي أزلْتَ عنها النجاسةَ عُرفاً ـ فوضعتَها على يدك اليسرى الرطبة برطوبة مسرية ، فإنك يجب عليك الإحتياط في هذه الصورة واعتبار اليسرى متنجّسةً ـ كما قلنا قبل قليل ـ لكن إن نشّفت يدَك اليسرى ـ بمعنى إزالة البعض الآخر من آثار النجاسة الباقية إزالةً عرفية ـ ووضعتَها على ثوب رطب برطوبة مسرية فإنك يجب أن تستصحب طهارةَ الثوب ، وهذا يعني أنّ المتنجّس الثاني لا ينجّس .
لا ، بل المتنجّس الأوّل الذي زالت عنه النجاسة وآثارها بنظر العرف لا ينجّس ، لعدم الدليل على ذلك أصلاً ، فنستصحب طهارةَ الملاقي لهذا المتنجّس .
(١٨٧) هذه المسألة عقلية محضة ، ولذلك يعرفها كلّ العوامّ ، فلا شكّ أنّ العبرة عقلاً هي في انتقال مادّة النجاسة إلى الطرف الآخر ، حتى وإن حصل انتقال النجاسة بعد مئة مرّة من التنقّلات من طرف إلى طرف حتى خفّت كثيراً ، وحينما يأمرنا الشارع المقدّسُ بالتطهير بالكيفية الفلانية فإنما يُرشدنا إلى أنّ القذارة الفلانية ـ حتى ولو خُفّفت بالقليل من الماء ـ لا يزيلُها إلاّ التطهيرُ الفلاني ، لاحظْ ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيهﷺ قال : سألته عن المكان يغتسل فيه من الجنابة أو يبال فيه ، أيصلح أن يُفْرَشَ ؟ فقال : « نعم ، إذا كان جافَّ »(٤٥٥) ، ورواها علي بن جعفر في كتابه . فإنك إن تأمّلتَ فيها وسألتَ نفسَك : لماذا لا يصلح أن يفرش في المكان الذي يُغتسَلُ فيه من الجنابة مثلاً ، مع أنّ نجاسة المنيّ قد خَفّت كثيراً لكثرة ما نزل من الماء بالغُسل ؟ ولن ترى جواباً إلاّ أنّ الماء القليل الذي بقي على الأرض والذي فيه شيءٌ من آثار المنيّ ينجّس الثياب والبدن . وهذا يعني أنّ النجاسة المخفّفة ، لها نفسُ أحكام النجاسة المركّزة . وبتعبير آخر : لا فرق في النجاسة بين كثيرها وقليلها ، أقصد أنّ هذا القليل لو خُفّف بامتزاجه بالماء فلا شكّ في بقاء نفس حكم الكثير المكثّف .
(٤٥٤) قلنا في المتن قبل قليل إنّ المراد من المتنجّس هو لا يحمل عينَ النجاسة وإنما يحمل بعضَ آثارِها كاللون أو الرائحة أو الطعم .
(٤٥٥) ئل ٢ ب ٢٦ من أبواب النجاسات ح ١١ ص ١٠٣٦ .
٣٩١
‹