على أيّ حال ، فليس كلامنا هنا في ذلك لأنه من الأُمور المتسالم عليها بين المسلمين ، إنما الكلام في حرمة تنجيس نفس الورق دون الكلمات ، ولو بنقطة دم مثلاً وفي وجوب إزالة النجاسة عن الورق ، لكن بشرطين : (١) إن لم تكن النجاسة على نفس الكلمات وإلّا لحرم ذلك لأنه هتك واضح ، و(٢) لم يوجد إهانة أو هتك ، نستجيرُ بالله .
فأقول : لم يدلّ دليل على حرمة تنجيس ورق القرآن الكريم أو على وجوب تطهيره إن توفّر كلا الشرطين ، فلو وقعت نقطة دم ـ مثلاً ـ على ورقة من أوراق القرآن الكريم ولم تمس الآيات المباركة ولم يكن فيها هتك لكتاب الله ، لم يجب تطهيره قطعاً ، ولك أن تتمسّك بالبراءة . كما لم يثبت حرمة أن يمسّ الشخص بيده المتنجسة كتابَ الله تعالى مع عدم مسّ نفس الكلمات ، وعدم الهتك ، ولك أن تتمسّك بالبراءة أيضاً ...
ولكن مع ذلك يجب القول بأنك إن أردت إن تبعث برسالة إلى ملك من الملوك تتقرّب فيها إليه أو تطلب فيها قضاءَ حاجة ، فهل ترسل إليه رسالة فيها نقطة دم مثلاً أو نجاسة أو وسَخاً لا يليق بجنابه ؟! ولذلك وبأدنى تأمّل ترى أنه يجب أن نُجِلّ الله تعالى ونستحيي منه من أن نأخذ كتابَه الكريم بيدٍ متنجّسة ..
ومن هنا استشكل السيد الخوئي﵀ بجواز تنجيس ورق القرآن الكريم واستشكل على عدم وجوب إزالة النجاسة عنه قائلاً بأنّ ورق القرآن الكريم إكتسب الشرافة والحرمة بإضافته إلى القرآن ، كما اكتسب الخشبُ والحديد والفضةُ والذهبُ البركةَ والشرافةَ بإضافتها إلى أحد الأئمّةﷺ ولأجل هذا احتاط لزوماً في هذين الحكمين ، أي في تنجيس ورق القرآن الكريم وجلده وغلافه وفي عدم تطهيره ، وهو احتياط جيد وفي محلّه ، وذلك لعلمنا بأنّ الله تعالى لا يرضى بأقلّ مراتب الإهانة أو الهتك لكتابه المقدّس ، بل الورعَ يقتضي عدم تنجيس ورق القرآن الكريم ، كما ويقتضي لزوم تطهيره حتماً ، وليس كلّ أمر مشكوك يستطيع الفقيه أن يجري فيه البراءة .
٭ نَظْرَةٌ نورانية إلى قول الله تعالى ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلاّ المطهّرون (٧٩) تنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمينَ (٨٠)﴾
‹