قال العارف الكامل والوليّ الواصل مولانا السيدر حيدر الآملي المتجلّي والمتوفى في القرن الثامن في كتابه (تفسير المحيط الأعظم) ص ٣٤٦ ـ في قول الله تعالى ﴿ لا يمَسّه إلاّ المطهّرون ﴾ ـ قال : "هي إشارة إلى أن القرآن لا يَنطق عنه وعن تأويله وتحقيقه ولا يحصل مسّه الحقيقي ـ الذي هو عبارة عن الإطلاع على ظاهره وباطنه وباطن باطنه إلى أن يصل إلى الأبطن السبعة ـ إلا لرجال مطهّرين من أنجاس الشرك الجليّ والخفيّ ودنس رؤية الغير في الوجود مطلقاً ، واللام في ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لام النَّفي ـ لا لام النّهي كما ذهب إليه أرباب الظاهر ـ وذلك لأن الإنسان لا يصير محبوباً لله تعالى إلا إذا صار طاهراً في الظاهر بالتوحيد الألوهي والقيام بأركان الشريعة ، وفي الباطن بالتوحيد الوجودي والقيام بأركان الطريقة والحقيقة ، لأنّه طاهر منزّه عن جميع النقائص ولا يحبّ الطّاهرُ إلا الطّاهرَ ، من كمال النسبة بينه وبينه وطريق المؤانسة بأخلاقه وأوصافه ... لأن هذا إخبار عنهم وعن المناسبة الحقيقيّة والطّهارة الذاتيّة الجبليّة ، أي جبّلة لهم بالذّات ، وبالجملة لا يمسّ كتابَه الكريم بالحقيقة ، أي لا يطّلع عليه إلاّ الطّاهرون من النّجاسات المذكورة والمنزّهون عن الأخلاق الذّميمة ، ومن هذا قال ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ اللهُ والرّاسخون في العلم ﴾ لأنّ ... مناسبة حقيقية من هذه الوجوه ، رزقنا الله الاتّصاف بها وبأمثالها ... إلى تحصيل الطهارات الحقيقيّة والكمالات الأخرويّة ، ووفقنا للقيام بتأويل القرآن والحقيقة" (إنتهى ، ولا شكّ في وجود بعض الأخطاء لم نتدخّل لإصلاحها حفاظاً على النص).
ثم قال ص ٣١٩ : "وينبغي أن يحضر في ذهن القاري عظمةُ المتكلّم ، ويعلم أنّ ما يقرأُه ليس بكلام البشر ، وأنّ في تلاوة كلام الله غايةَ الخطر ، فإنه تعالى قال ﴿لا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ، وكما أنّ ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس الغير ( متطهر) مطهر ، فكذلك باطنُ معناه ـ بحُكْم عِزّه وجلاله ـ محجوبٌ عن باطن القلب أن يستضيء بنوره إلا إذا كان متطهّراً عن كلّ رجس ، مستنيراً بنور التعظيم والتوقير عن ظلمة الشرك ، وكما لا يَصْلُحُ لمَسِّ جلْد المصحف كلُّ يَد ، فلا يصلح لتلاوة حروفه كلّ إنسان ، ولا لحَمْل أنواره كلُّ قلب ، ولأجل هذا كان عِكْرِمَة بنُ أبي جهل إذا نشر المصحف يُغْشَى عليه ويقول "هو كلام ربي" ، فيعظّم الكلامَ بتعظيم المتكلّم ، وعلمتَ أنّ عظمة المتكلّم لا تخطر في القلب بدون الفكر في صفات جلاله ونعوت كماله وأفعاله ، وإذا خطر ببالك الكرسيّ والعرش والسّماوات والأرضون وما بينهما ، وعلمت أنّ الخالق لجميعها والقادر عليها والرّازق لها هو الله الواحد القهّار ، وأنّ الكلّ في قبضته ، والسّموات مطويّات بيمينه ، والكلّ سائر إليه وأنّه الّذي يقول
‹