الطهارة
صفحة ٤٣٨ من ٢٠٢٦

: هؤلاء في الجنّة ولا أبالي فإنّك تستحضر من ذلك عظمة المتكلّم ثمّ عظمة الكلام"(إنتهى) .

وقال الشيخ الأجلّ جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري (المتوفى سنة ٨٢٦) في كتابه (كنز العرفان في فقه القرآن ) : ".. في كتاب مكنون أي مصون مستور عن الخلق في لوحه المحفوظ . وقيل : المصحف الذي بيد الناس ، والضمير في ﴿ لا يَمَسُّ ﴾ يعود إلى الكتاب لأنه أقرب ، فعلى القول الأول : لا يمسه إلا الملائكة المطهرون من الذنوب ، وعلى الثّاني : لا يمسّه إلاّ المطهّرون من الأحداث والخبائات وهو مرويّ عن الباقرﷺ وجماعة من المفسّرين ، ويكون المراد النّهيَ عن مسّه لا نفي المسّ الّذي هو خبر وإلاّ لزم الكذب لأنّا نعلم ضرورة أنّه يمسّه من ليس بمطهّر ، ويؤيّده الرواية عن الصادقﷺ وقد قال لولده إسماعيل : « اقْرأ المصحفَ » قال : لستُ على وضوء ، فقال : « لا تمسّ الكتابة ومسّ الورق » ، وإذا لم يجز لغير المتوضّي مسّه فللجنب أَوْلى"(إنتهى) .

أقول : يبعد إرادة المتطهّرين من ﴿ المطهّرون ﴾ إذ يحتمل قوياً إرادة المطهّرين ذاتاً وهم أهل بيت العصمة والطهارةﷺ ، يقول الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً﴾ فهم المطهّرون ، وكذلك الملائكة ـ كجبرائيلﷺ ـ مطهّرون ، وبهذا القول قال جمع من علمائنا كالسيد الحكيم والسيد الخوئي وصدر المتألهين الشيرازي في أول كتابه القيّم « مفاتيح الغيب » .

أُنظُرْ إلى الإستعمالات القرآنية ﴿فيه رجَالٌ يُحبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحبُّ الُمطَّهِّرِينَ﴾ أي المتطهّرين ولم يقل « المطَهَّرين » ، وقال أيضاً ﴿إِنَّ اللهَ يُحبُّ التَّوَّابينَ وَيُحبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ ولم يقل « المطَهَّرين » ، والمراد من المطَهَّرين والمتطهّرين هو من يتطهّر بعد عروض النجاسة أو الحدث عليه ، أمّا قوله تعالى﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي ذاتاً طاهرة لا تعرض عليهنّ الأحداث والأخباث ، و﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ أي من كلّ عيب .. وهكذا ..

ثانياً : لا يصح إرادة هذا المصحف الذي بين أيدينا من « الكتاب المكنون » فإنه ليس شرفاً للكتاب أن يكون بين جلدتين وإلاّ لكانت كتب الضلال ذات شرف ، لأنها في كتاب مكنون ، وإنما المراد بالكتاب المكنون (اللوح المحفوظ) الذي هو علْمُ جبرائيلﷺ .

وأيضاً يكفينا الإجمال في كلمة ﴿ كتاب مكنون ﴾ في إبطال الإستدلال بالآية فلعلّ المراد