الطهارة
صفحة ٤٤٤ من ٢٠٢٦

التطهير هو المولى تعالى ، وليس نفس النجاسة ، فإذن يجب أن تكون الأُجرة على الله تعالى ـ لأنّ الله تعالى هو الجزء المتمّم للعلّة في إيجاب التطهير ـ لا على مَن نجّس مصحف نفسه ، لأنّ المنجّسَ لمصحف نفسه لم يكن العلّةَ التامّةَ لوجوب التطهير ، فلمَ لَمْ تُضَمّنْ صاحبَ المصحف في حالة ما لو نجّس مصحفَه ، وضمّنت المنجّسَ لمصحف غيره أُجرةَ التطهير ؟! مع أنّ جزء العلّة لوجوب التطهير هو هنا أيضاً الله تعالى ! ما الفرق بين الحالتين ؟!

الجواب : هو أنّ مصحف الشخص هو صاحبه ، وهو نجّسه ، وهو لم يطلب من المؤمن تطهيره ، لكن المؤمن حينما وجد أنّ صاحب المصحف لا يطهّر مصحف نفسه ، وكان الواجب الشرعي هو تطهيره حتى ولو قصّر صاحب المصحف ، كان الواجب من قبل الله عزّ وجلّ أن يطهّره كلّ قادر على ذلك ، لدفع الهتك والمهانة عن كتاب الله المجيد ، فهو لم يعمل شيئاً خدمةً لصاحب المصحف ، بل قد يكون صاحب المصحف فاسقاً أو كافراً ، وقد تعمّد في التنجيس ، فلا وجه لضمان ما تكلّفه المؤمن في تطهير المصحف .

أمّا لو نجّس الشخصُ مصحفَ غيره ـ لا مصحف نفسه ـ فهو قد اعتدى على مصحف غيره ، فلصاحب المصحف أن يقول له : إنك قد أوقعتني في صرف المال الفلاني لتطهيره ، فكان اللازم أن تسأل هل يتوجّب على تنجيسه شيء أم لا ثم تفعل ، فالجهل بالقوانين الإلهية أو الوضعية لا ترفع الضمان على الفاعل ، فيَضْمَنُ المنجّسُ حتى وإن كان من أوجب تطهير المصحف هو الله .

وكذا لو كان الواجب في القانون الوضعي أن تقف السيارةُ على الإشارة الحمراء ، لكنْ كان لا بُدّ من قطعها لأنّ سائق السيارة الخلفية كان سكراناً مثلاً فاضطرّ صاحب السيارة الأمامية أن يهرب منه ، فقطع الإشارة الحمراء ، فترتّب عليه جريمة مالية معيّنة ، فعلى السكران أن يدفع هذه الجريمة ، لأنه هو السبب التامّ بنظر العرف ، وليس السكران جزء السبب ، وكان اللازم أن يسأل أنه ماذا يترتّب على هذا الفعل قانونياً .

وكذا لو اعتقد أن صحن الطعام البلاستيك لا ينكسر برميه قليلاً على الأرض فانكسر ، فرامِيه هو الضامن .

وكذا لو اعتقد أنه لا يوجد زجاج خلف البرداية فانطلق نحوها فانكسر الزجاج ... وهكذا. نعم ، لو فرضنا أنّ شخصاً فقيراً عنده أولاد لا يستطيعُ أن يُنفِقَ عليهم ، وخِيفَ عليهم من