الطهارة
صفحة ٥٨٣ من ٢٠٢٦

فأقول : لا يبعد أن يكون نظرُ الإمامﷺ إلى الإناء الذي يكون فيه الخَمَرُ .. لأنه رَوَى رواية قريبة من هذه الرواية وبنفس الإسناد يسأله فيها عن الدنّ يكون فيه الخمر .. إلى أن قال : « تغسله ثلاث مرّات » (٧٥٢) ، هذا أوّلاً ، ثانياً : الخمر في الشرع طاهر وإن كان حراماً ، ثالثاً : يجب أن نحمل الرواية السابقة على الإستحباب ، وذلك بمقتضى الجمع بين الروايات ، ورابعاً : إنّ صحيحة الفضل البقباق ناظرة بوضوح إلى الإناء الذي ولغ فيه الكلب ، فهي أخصّ من موثّقة عمّار العامّة ، وتلك في محلّ البيان والعمل ، إذن فلا بدّ من أن نحمل موثّقة عمّار على الإستحباب أو على خصوص ما لو كان فيه خمر .

٭ وفيما يتعلّق بغير ولوغ الكلب من الآنية ـ كما لو مَسَّ بريقه ثوباً مثلاً ـ فلا شكّ في لزوم غسله بحيث تزول عنه القذارةُ والجراثيم ، فقد روى في يب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن الفضل (بن عبد الملك ، ثقة عين) أبي العبّاس البقباق قال : قال أبو عبد اللهﷺ : « إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبةً فاغسله ، وإن مسّك جافاً فاصبب عليه الماء » ، قلت : ولمَ صار بهذه المنزلة ؟ قال : « لأنّ النبي أمر بقتلها (بغسلها ـ خ)(٧٥٣) » صحيحة السند ، ولم يقل بلزوم تعفيره بالتراب مثلاً أو بلزوم غسله أكثر من مرّة .

(٧٥٢) فقد روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللهﷺ قال : سألته عن الدن يكون فيه الخمر ، هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون ؟ قال : « إذا غسل فلا بأس » وعن الإبريق وغيره يكون فيه خمر ، أيصلح أن يكون فيه ماء ؟ قال : « إذا غسل فلا بأس » وقال : في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر ، قال : « نغسله ثلاث مرات » وسئل أيجزيه أن يصب فيه الماء ؟ قال : « لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات » (ئل ٢ ب ٥١ من أبواب النجاسات ح ١ ص ١٠٧٤) .

(٧٥٣) أقول : كلتا النسختين محتملتان ، فقد روى الشيخ حسن صاحب المعالم في (منتقى الجمان) ج ١ هامش ص ٨٨ قال : روي عن أمير المؤمنينﷺ أنه قال : « لا تدع صورةً الّا محوتها ، ولا قبراً إلا سوّيته ، ولا كلباً الّا قتلته »" ، والخبر في يب باب تطهير الثياب تحت رقم ٤٦ . وإني أظنّ أنّ المراد بالمدينة هي مكّة المكرّمة ، وذاك لأنّي لم أجد في التاريخ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد دخل المدينة المنوّرة قبل رسول الله ، وعلى أيّ حال فسواء كان المراد من المدينة هي المدينة المنوّرة ـ ولو بعد دخول رسول الله إليها بفترة من الزمن ـ أو كانت مكّة المكرّمة فقد يكون الأمر بقتل الكلاب في المدينة المنوّرة ناشئاً من ضرورة أن تكون مدينة رسول الله آمنة على المسلمين الذين يريدون العيش فيها بأمان بعد أن زادت

٥٨٣