الطهارة
صفحة ٦٢٣ من ٢٠٢٦

ومثلها ما ورد من طهارة سؤر الطيور كلّها ، مع أنك تعلم بأنّ أكثر طعامها الميتة النجسة ، ولك أن تقول بأنّ أكثر طعامها هو من الطيور التي تقتلها وهي في الهواء فهي إذن ميتة نجسة ، ومع ذلك أخبرنا أئمتنا بأنّك إن لم ترَ على مناقيرها دماً فإنّ عليك أن تعتبرها طاهرة ، ولك أن تشرب من الإناء الذي شرِبَتْ منه ، بلا استصحاب للنجاسة ، وهذا يعني أنّ مجرّد زوال النجاسة يكفي في طهارة المحلّ ، ولا سيما وأننا نرى الحيوانات تنظّفُ نفسَها بالتراب أو بريقِها ونحو ذلك ، وقد روى في الكافي عن أحمد بن ادريس ومحمد بن يحيى جميعاً عن محمد بن أحمد (بن يحيى) عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال عن عمرو بن سعيد عن مصدّق بن صدقة عن عمّار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سُئل عمّا تشرب منه الحمامة ؟ فقال : « كُلُّ ما أُكل لحمُه فتوضّأ من سؤره واشرب منه ، إلّا أن ترى في منقاره دماً ، فإنْ رأيتَ في منقاره دماً فلا توضّأ منه ولا تشرب » ، وعن ماء شَرِبَ منه باز أو صقر أو عقاب ؟ فقال : « كلّ شيء من الطير يُتوضّأ ممّا يَشرب منه ، إلّا أن ترى في منقاره دماً ، فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضّأ منه ولا تشرب »(٨٢١) موثّقة السند . تقريب الإستدلال هو بالقول بأنّ ذهاب النجاسة يكفي في حصول الطهارة .

فإن قلتَ : قد يكون زوالُ النجاسة عن خصوص البهائم والطيور هو من المطهّرات تعبّداً ، كما ذهب إلى ذلك جُلّ علمائنا قديماً وحديثاً ،

قلتُ : لا بُدّ من القول بأنّ زوالَ النجاسة عن الحيوانات مطهّرٌ لها ، وأنّ قضيّة سريان النجاسة أمرٌ عقلي محض ، وأنّ معنى هذه الروايات أنّ زوال النجاسة كاف في عدم سريان النجاسة إلى مكان آخر لانعدام موضوعها ، بل إنّ زوال النجاسة هي نفس الطهارة .

ولا بأس أن تزيد على كلامنا أنّ السيرة العقلائية والمتشرّعيّة قائمة على اعتبار الحيوانات والطيور طاهرة مع العلم بأنها عند ولادتها تكون ملوّثةً بدم الولادة ، وأنّ أكثر طعام السباع هو من أكل الأنعام فهي تقتلها وتأكلها فتصير بذلك أفواهها نجسةً قطعاً ، ومع ذلك لو أكلت من طعامنا أو شربت من شرابنا فإنّ الشرع يحكم بطهارة سؤرها إنْ لم نر على أفواهها دماً . وحتى الجرذان التي أكثر ما تتواجد في الأماكن النجسة إذا رأيتها دخلت في السمن مثلاً ولم

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

(٨٢١) ئل ١ ب ٤ من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة ح ٢ ص ١٦٦ .

٦٢٣