تفيد جواز الأخذ بقول ذي اليد لكن إذا كان هناك أمارةٌ ظنيّة على صدقه ، أي كان يوجد ظنّ بصدقه . أقول : وهذه أيضاً مطابقة للمنهج العقلائي تماماً في الإخبار والإستعمال .
المهمّ هو أنّ مجرّد كون الشيء بصدد الإستعمال ـ كسكّين اللحّام وحنفيّات محلّه ـ هو إخبار عمليّ بطهارتها ، وإخبارُ ذي اليد حجّةٌ . وقد ذكرنا دليلنا على حجيّة خبر ذي اليد عند قولنا (فصل : طريقُ ثبوت النجاسة أو التنجّس : العلْمُ الوجداني وو .. وتثبت أيضاً بقول صاحب اليد بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة) فراجع .
وأنت إذا تلاحظ الروايات ترى أنها تأخذ بعين الإعتبار الظنّ بعدم إمكان استعمال المسلم ـ عادةً ـ لما يَعلم بلزوم طهارته فيما يشترط فيه الطهارة ، أو قُلْ إنّ بناءنا على طهارة الغرض المتنجّس سابقاً هو من باب حملِ فِعْلِ المسلم على الصحّة ، حتى ولو كان فاسقاً ، فإذا خرج المسلم من الإستنجاء مثلاً وصار يستعمل يديه فيما يشترط فيه الطهارة كالطعام مثلاً فأنت بلا شكّ تأكل من هذا الطعام وتشرب ، حملاً لاستنجائه على الصحّة ، وإنما قلنا بكفاية الظنّ لأنا لا نرى في الروايات قيداً للزوم أن يحصل عندنا اطمئنان بحصول التذكية والطهارة ...
أمّا لو لاحظتَ سيرة المتشرّعة في مسألة اعتبار الطعام المأخوذ من المسلم طاهراً وحلالاً ، تلاحظهم لا يشترطون حصول الظنّ بالتطهير ، رغم علمهم بنجاسة سكّين الجزّار عند الذبح ، ونجاسة يده عند الإستنجاء .. ومع ذلك يبنون على طهارة كلّ ما يُستعمل طاهراً ـ كالطعام والأواني والحنفيّات ـ ولا يجتنبون عنها ولا يستصحبون النجاسة . ومن الطبيعي أنه قد لا يحصل عندهم هذا الوثوق والإطمئنان إن كان المسلم مستَهْتِراً بدينه أي غير مهتم بالصلاة والطهارة ، وأنت قد لا تظنّ بطهارة ما يستعمله كلّ مسلم في العالم ، أي تستبعد حمل فعل المسلم على الصحّة ، مع ذلك أنت متعبّد ـ بدليل سيرة المتشرّعة ـ في أن تبني على طهارة سكّين اللحّام الفاسق سواء كان شيعياً أم عامّياً وعلى طهارة يده التي يستنجي بها ، لا ، بل حتى ولو حصل عندك شكّ بتطهيره للسكّين أو ليده ، والظاهر أنّ السبب في ذلك هو التسهيل المحض من الشارع المقدّس . كلّ ذلك دليلٌ على كون (غيبة المسلم) حكماً تعبّدياً مستقلاً في نفسه ، وليس أمارةً ظنيّة على تطهير المسلم لما يشترط فيه الطهارة ، خاصّةً وأنه قد لا يحصل ظنّ في الكثير من الحالات ، وإنما يحصل احتمالٌ فقط في التطهير .
٦٣٥
‹