لكن يمكن الإجابة عن اشتراط حصول الظنّ هو إمكان أن لا يستحلّ شرب المسكر ويؤمن بحرمته ولكن مع ذلك قد لا يكون ممّن يهتمّ بصلاته وطهارته .
على أنك تعلم ـ ممّا سبق في بحث حجيّة خبر ذي اليد ـ استفاضةَ الروايات في أنّ خبر ذي اليد حجّة بلا شكّ ، حتى ولو كان عامّياً ، المهمّ أن لا يكون معروفاً بالفسق وبالإستهتار بدين الله ، فإذا عرفنا هذا الأمر نقول : إنّ الإخبارَ العملي مِثْلُ الإخبارِ القولي أو أشدّ وطأةً ، أو قُلْ المناطُ في حجيّتهما واحدٌ . لاحظ الروايتين التاليتين :
روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد (بن عيسى) عن محمد بن إسماعيل (بن بزيع) عن يونس بن يعقوب (ثقة) عن معاوية بن عمّار قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبُخْتَج ويقول : قد طبخ على الثلث ، وأنا أعرف أنه يشربه على النصف ، أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف ؟ فقال عليه السلام : « لا تشربه » ، فقلت : فرَجُلٌ من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ، ولا يستحله على النصف ، يخبرنا أن عنده بُخْتَجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقيَ ثلثُه ، نشربُ منه ؟ قال : « نعم »(٨٣٢) وهو سند صحيح .
ولا نشكّ في أنّ جواز الأخذ بقول العامّي ـ في السؤال الثاني ـ منشؤه حجيّة خبر ذي اليد وإن كان عامّياً ، أمّا ذاك الذي نهَى الإمامُ عليه السلام عن شربه ، وبالتالي لم يصدّقه ، فالظاهر أنّ شربه له قبل ذهاب الثلثين أمارةٌ ظنيّة أنه لا يهتمّ بدين الله ، فالمظنون أنه يكذب . إذن لا ينبغي أن نأخذ بقول ذي اليد مطلقاً إلّا حيث تجري سيرة العقلاء وهي حالة ما لو أفادت الظنّ ، لا في حالة الظنّ بالكذب ، أقول : هذه الروايةُ مطابقةٌ للمنهج العقلائي تماماً ، ومناطُ الحجيّة واحدٌ ، سواءً في قول ذي اليد أو في عمله ، أي سواء أخبرنا أنّ حنفية الماء طاهرةٌ أو كان يستعملها فيما يُشترَطُ فيه الطهارةُ .
ومثلها ما رواه في الكافي أيضاً عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البختج فقال : « إن كان حلواً يُخَضِّبُ الإناءَ وقال صاحبُه "قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث" فاشربه »(٨٣٣) صحيحة السند ، وهي أيضاً
(٨٣٢) ئل ١٧ ب ٧ من أبواب الأشربة المحرّمة ح ٤ ص ٢٣٤ .
(٨٣٣) المصدر السابق ح ٣ .
٦٣٤
‹