الطهارة
صفحة ٦٤ من ٢٠٢٦

فإنهما تقولان بأنه إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيءٌ ، طبعاً ما لم يتغيّرِ الماءُ بصفات النجاسة ـ كما مرّ معنا في صحيحة ابن بزيع السابقة « ماء البئر واسع لا ينجّسه شيء إلّا أن يتغير ريحه أو طعمه فيُنزَحُ حتى يذهب الريح ويطيب طعمُه لأنّ له مادّ » ـ وهذا يعني أنه إذا كان الماء أقلَّ من الكرّ فإنه ينجّسه الشيءُ حتى ولو لم يتغيّر بصفات النجاسة ، وإلّا لم يوجد فرق بين الكرّ والقليل . وبتوضيح أكثر : إنْ تغيّرَ الماءُ تنجّسَ سواءً كان قليلاً أو كثيراً ، أمّا إن لم يتغيّر فتفصيلٌ : إنْ كان كثيراً فإنه لا يتنجّس ، وإن كان قليلاً فإنه يتنجّس . وهذا فائدة الكريّة ، وإلّا لم يوجد أيّ فائدة من الكريّة .

ولعلّه أيضاً لما ذكرناه فصّلَ المحقّقُ الخراساني والمحقّق الشيخ محمد حسين الإصفهاني ـ في بحثه بين النجس والمتنجّس فبَنيا "على طهارة الماء بملاقاته المتنجّس ، إذ لا إجماع على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجّس ، وفي الأدلّة اللبّية يؤخذ بالقدر المتيقّن ، ولا خبر دلّ عليه خصوصاً ولا عموماً ، منطوقاً أو مفهوماً ، وذلك لاختصاص الأخبار الخاصّة بعين النجاسة ... ولا أقلّ من أنه القدر المتيقّن ..."(٥٤) .

أقول : ما ذكره المحقّق الخراساني والشيخ محمد حسين الإصفهاني صحيح ، وذلك لما ذكرناه ، المهم هو أنه لا شكّ في لزوم البناء على عدم تنجيس المتنجّس الذي لا يحمل آثار النجاسة عرفاً ، بعد عدم وجود أيّ دليل يدلّ على التنجيس ، ولو من باب أنّ الماء القليل الملامسَ للمتنجّس موردٌ لقاعدة الطهارة بعد الشكّ في نجاسة الماء وتعذُّره ، إضافةً إلى أنه لا يصحّ أن يَجري استصحابُ النجاسة في المتنجّس الذي زالت عنه آثار النجاسة ، لأنّ الركن الأوّل من أركان الإستصحاب غير موجود ـ وهو العلمُ بالنجاسة سابقاً ـ ، ولذلك نحن نبني على طهارة الجسم الذي زالت عنه آثار النجاسة ، إلّا أننا هنا نتنزّل ونقول بأنّ المتنجّس بناءً على بقائه على النجاسة ولو حُكماً ـ وهذا ما لا نقول به ـ هل ينجّس أم لا ؟ فنقول : لا . ومن هنا ترى أنّ عندنا عدّة أدلّة على عدم تنجيس المتنجّس .

إنما الكلام في لزوم التأكّد من عدم وجود آثار للنجاسة في المتنجّس ـ أي الكلام في إثبات الصغرى ـ إذ غالباً يكون للنجاسة بعضُ آثارٍ في المتنجّس . وقد تعرّضنا لبعض جوانب هذه المسألة في (مسألة ١ : الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر ومطهّر ، لكنه غير مطهِّر من الحدث) فراجع .

(٥٤) مستمسك العروة الوثقى ج ١ ص ١٤٦ .

٦٤