الطهارة
صفحة ٦٦٧ من ٢٠٢٦

عرفاً للإناء المغصوب ، فيكون محرّماً شرعاً ، واقتضاءُ ذلك للبطلان واضحٌ ، لأنّ وجود المباح مانع من التقرّب المعتبر في العبادة ـ التي منها الوضوء إجماعاً ـ فيبطل الوضوء بدون نيّة التقرّب .

ولكنّ هذا الكلام باطل ، وذلك لأنه إن كان يأخذُ الماءَ المباحَ بيده من الإناء المغصوب ويُلقي به على أعضائه ، سواءً ألقاه فوراً أو ألقاه بعد ساعة مثلاً ، فإنْ كان ينوي القربة إلى الله تعالى ، وتحقّقَ ذلك منه ، فيجب أن يكون وضوؤه وغسله صحيحَين ، خاصّةً إذا أخَذَ كلَّ الماء دفعةً واحدة ووضعه في إناء مباح .

يقول السيد الحكيم بأنّ دعوى كون الوضوء من الإناء استعمالاً له "ممنوعة موضوعاً وحُكْماً ، (أمّا الأوّل) فلأنّ غسل الوجه بالماء المأخوذ منه بالإغتراف إنما يكون استعمالاً للماء لا للإناء ، (وأما الثاني) فلما عرفت من أن المستفاد من الأدلة كونُ تحريم المغصوب إنما هو بمعنى تحريم التصرف فيه ، كما هو الجاري على ألسنتهم ، ويقتضيه التوقيع الشريف المتقدم ، فلو كان الإستعمال تصرفاً حرم وإلا فلا .

ولأجل منع الدعوى المذكورة فصّلَ جماعةٌ بين صورتَي الإنحصار وعدمه ، فحكموا بالبطلان في الأولى وبالصحة في الثانية . أما الصحة في الثانية ، فلأنّ الغرفة الأولى المأخوذة من الإناء بعد صيرورتها في الكفّ يكون حالها حال الماء الموجود في الإناء المملوك ، فيجوز استعمالها في الطهارة كما يجوز استعماله فيها ، وكذا حال بقية الغَرَفات . وأما البطلان في الأولى ـ أي مع عدم وجود ماء آخر ـ فلأنّه بأخْذِ الغرفة الأولى ـ حيث يحرم عليه أخْذُ ما عداها ـ لا يكون واجداً للماء شرعاً ، كي يشرعَ في حقه الوضوءُ ، وإذ لا أمْر بالوضوء يمتنع التقرب بغسل العضو بتلك الغرْفة ، فلو غَسَلَه بها كان وضوؤه باطلاً .

فإن قلت : يكفي وجود الملاك في قصد التقرب .

قيل : نعم ، لكن لا دليل على وجود الملاك هنا ، بل مقتضى الجمع بين قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ..﴾(٨٨٥) وقولهعزّجلّ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ..﴾(٨٨٦) تقييد الأولى بالثانية ، فيكون وجوب الوضوء مشروطاً بالوجدان ، فيكون ملاكه مشروطاً به أيضاً ، وحيث إنّ الوجدان أعمُّ من العقلي والشرعي ، فيكون تحريم الإغتراف شرعاً موجباً لصدق عدم وجدان الماء ، وينتفي معه ملاك الوضوء ، مع أنّ الإلتزام بوجود ملاك في

(٨٨٥) المائدة ـ ٦ .

(٨٨٦) ذيلُ الآية السابقة .