الوضوء ـ في ظرف ملازمة فعل الوضوء لارتكاب محرم ـ يقتضي اختصاص سقوط الوضوء ومشروعية التيمم بصورة كون ملاك التحريم أقوى ، إذ لو كان ملاك التحريم أضعفَ من ملاك الوضوء أو مساوياً سقط التحريم ، وشرع الوضوء ، مع أن بناء الأصحاب على ثبوت التحريم ، وسقوط الوضوء ، ومشروعية التيمم ، في جميع موارد لزوم فعل الوضوء لارتكاب محرم .
هذا ولكن يمكن أن يقال : إطلاقُ آية الوضوء يقتضي كونَ وجوبه مطلقاً غيرَ مشروط بالوجدان ، فيكون ملاكُه كذلك ، ويقتضيه الإجماعُ المحكي على حرمة إراقة الماء بعد الوقت . وأما استفادة كون ملاك الوضوء مشروطاً بالوجدان من جهة الجمع العرفي بينها وبين آية التيمم ـ حسبما ذُكِرَ ـ فغير ظاهر في مثل هذا القيد ، كما يظهر من ملاحظة نظائره ، فإنه إذا قيل "إذا جاءك زيد فقدّمْ له تمراً ، فإن لم تجد فماءً بارداً" (٨٨٧) لا يُفهم منه أن ملاك حُسْنِ تقديم التمر مشروطٌ بوجدانه . وبالجملة : القيود الإضطرارية ليست كغيرها من القيود . مثلاً إذا قيل "تجب الصلاة تماماً على الناس ، وإذا سافروا قصروا" يقيّد الكلامُ الأول بالثاني ، ونتيجة الجمع بالتقييد أنه تجب الصلاة تماماً على غير المسافرين ، وتجب قصراً على المسافرين ، فيكون ملاك وجوب التمام مشروطاً بعدم السفر ، كما أنّ ملاك القصر مشروط بالسفر ، فيكون كل من التمام والقصر واجباً في غير مورد الآخر ، ويكون في عرضه . وهذا بخلاف القيود الإضطرارية ، فإذا قيل "تجب الصلاة قياماً ، وفي حال الإضطرار تجب جلوساً" لا يفهم أنّ ملاك القيام مشروط بالإختيار ، بل يفهم أنّ ملاكه مطلق غير مشروط بالإختيار ، وأن تشريع الجلوس من جهة الضرورة ، لا لقصور ملاك القيام . وملاحظةُ النظائر من الأبدال الإضطرارية تستوجب وضوح ما ذكرنا ... وعليه فلا بأس بدعوى صحّة الوضوء لو اغترف تدريجاً ، وذلك لكفاية الملاك في صحّة العبادة" (إنتهى) (٨٨٨) .
(٨٨٧) توضيح المثال : مقتضى الجمع بين الآيتين يصير هكذا : (إن وجدتم الماء فتوضّؤوا ، وإن لم تجدوا فتيمّموا) ، ومثلها (إن نجح زيد فقدّم له التمر ، وإن لم ينجح فماءً بارداً) ، فهنا لا تعني الآيةُ الكريمة أنه لا ملاك في الوضوء حتى مع فقدان الماء ـ كما هو الحال في صوم المريض وفي حجّ الفقير . وإنما لا مانع من وجود ملاك في الوضوء حتى مع فقدان الماء ، وكذلك في المثال التالي ، فإنه لا مانع من بقاء الملاك والمصلحة في تقديم التمر ، حتى مع فقْدِه ، ولكنْ مع فقده نتنزّل إلى الماء البارد ، وهذا التنزّل لا يعني أنه مع فقد التمر لا يبقى مصلحة في تقديمه ..
(٨٨٨) مستمسك العروة الوثقى ج ٢ ص ١٥٥ ـ ١٥٩ .
‹