الطهارة
صفحة ٦٦٩ من ٢٠٢٦

أقول : إنّ أخْذ الماء المباح من الإناء المغصوب هو مقدّمة للغَسل ، ولا دخْل لمحبوبية الوضوء بمبغوضيّة المقدّمة ، وهو بَعد كلّ غَرفة محرّمَة وَجَد الماءَ ليُكْمِلَ وضوءه ، أو قُلْ هو يعلم أنه سوف يجد الماءَ المباح بمقدّمة محرّمة ... ويصعب القول بأنه (بعد غسل وجهه هو لا يجد ماءً شرعاً ، فهو إذن مكلّف بالتيمّم ، فإذن بطل وضوؤه) ! بل قد يقال بأننا نستصحب بقاء هذا الجزء من الوضوء ، وذلك لعدم الدليل على بطلانه بمجرّد فقْد الماء شرعاً للحظة مثلاً ووجوده تكويناً أمامه وللأمر بالتيمّم . وباختصار : مبغوضيّةُ المقدّمةِ أجنبيّةٌ بالكليّة عن محبوبية نفس التوضّي بعد الإغتراف .

وقد يمكن أن تقول : يكفي الوجدانُ التكويني للماء في تحقّق ملاك الوضوء ، حتى ولو كان استعماله محرّماً شرعاً ابتداءً ، فهو في كلّ غَرفة يجد الماء ولو بمقدّمة محرّمة ، فإنه لا وجه لبطلان بعض وضوئه إن كان اغترافه الثاني محرّماً . لا ، بل لو فعل حراماً وأخذ الماء اغترافاً لصار وضوؤه مأموراً به أيضاً ، وليس واجداً للملاك فقط . وبتعبير آخر : لماذا لا يحصل عندنا قطع ببقاء الملاك على الأقلّ ـ وهو المصلحة والمحبوبية ـ في الوضوء ، بل برجوع فعليّة الوجوب ومنجّزيته بعدما أوجَدَ الماءَ المباحَ ولو بمقدّمة محرّمة ؟! خاصّةً إذا قلنا إنّ اغتراف مائه من الإناء المغصوب هو حقّ عقلي وشرعي له ، لأنّ الماء ماؤه ، وله أن يستنقذه ، حتى ولو وضعه فيه بسوء اختياره ، لكن ـ بالنهاية ـ عليه أن يفرّغ الإناء من الماء .

طبعاً نعود ونؤكّد : إذا تحقّقت منه نيّةُ القربة ، وهي تحصل عند المستهترين بدينهم وبالغصب وقليلي الإلتزام ، خاصّةً عند عدم توجّههم إلى الغصب حين الوضوء لكون المغصوب قديماً عندهم ـ مثلاً ـ .

هذا كلّه ، إذا كان الماء المباحُ محصوراً في إناء مغصوب ، ولا يوجد عنده ماءً غيرُه .

أمّا إذا كان يوجد عنده ماءٌ آخر مباح فهو إذن مأمور بالوضوء ، فيُلغى إشكال أنه مأمور بالتيمّم ، ونقول : هو مأمور بالوضوء ، وقد حصّل الماءَ المباح بمقدّمة محرّمة ، لكن حينما صار الماءُ في يده وجب عليه التوضّي حتماً .

* وأمّا إن كان الوضوء بالإغتراف مرّة واحدة بمقدار يفي بكلّ وضوئه فلا مجال للإشكال ، إذ أنّ الماء مباح له ، وقد فعل حراماً مرّة واحدة ، ولكنّ الماءَ الآن صار خارج الإناء المغصوب ، فهو يتوضّأ من دون أيّ إشكال فعليّ عليه .