الطهارة
صفحة ٦٧٩ من ٢٠٢٦

(بن معاوية بن وهب ثقة فقيه ط رضا) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرﷺ قال : سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة ؟ قال : « نعم ، إنما يُكْرَهُ استعمالُ ما يُشرب به » أي لا يكره استعمال غير الآنية .

فإن قلتَ : هلاّ حملتَ رواياتَ الكراهية على التقيّة ؟!

قلتُ : كلّ العلماء يعرفون أنّه إذا أمكن الجمعُ العرفي فهو مقدّمٌ على الترجيح بمخالفة العامّة ، وهنا الجمع العرفي ممكنٌ جداً ، ولذلك بنينا على الكراهة لا على الحرمة .

ومع الغضّ عن هذا نقول : إنّ العامّة يميلون إلى القول بحرمة استعمال أواني الذهب والفضّة ، فإذَنْ القولُ بالكراهة هو الأبعد عن قول العامّة ، فقد نُقِلَ عن الشافعي قولان في المسألة : الأوّل إنّ النهي نهيٌ تنزيهيّ ، والقول الثاني إنه لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة . وأمّا أبو حنيفة فقد حرّمَ الأكلَ والشرب في أواني الذهب والفضّة ، وأمّا داوود أيضاً ـ من العامّة أيضاً ـ فقد حرّم الشربَ خاصّةً .

وهذه أجواء كلمات أهل العامّة :

روى أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي (توفي ٦٢٣ هـ) في فتح العزيز شرح الوجيز ج ١ ص ٣٠١ : "عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما) . يكره استعمال الأواني المتخذة من الذهب والفضة ، وهل ذلك على سبيل التحريم أو هو على سبيل التنزيه ؟ فيه قولان : قال في القديم إنه على التنزيه ، لأنّ جهة المنع ما فيه من السرف والخيلاء وانكسار قلوب المساكين ، ومثلُ هذا لا يقتضي التحريمَ ، وقال في الجديد انّه على التحريم ، وهو الصحيح ، وبه قطع بعضُهم لِما رُوِيَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِرُ في جوفه نار جهنم) ، رتب الوعيد بالنار عليه"(إنتهى) .

وروى محيي الدين بن شرف النووي (توفي ٦٧٦ هـ) في كتابه المجموع شرح المهذب ج ١ ص ٢٤٦ : "ويكره استعمال أواني الذهب والفضة لِما رَوَى حذيفةُ بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافهما ، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) ، وهل يُكْرَهُ كراهةَ تنزيه أو تحريم : قولان قال في القديم كراهة تنزيه ، لأنه إنما نهى عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالأعاجم ، وهذا لا يوجب التحريم ، وقال في الجديد : يكره كراهة تحريم ، وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه

٦٧٩