الطهارة
صفحة ٨٨٨ من ٢٠٢٦

الأنصاري وما شكا ، وقال : إن أردت الدخول فاستأذن ، فأبَى ، فلمّا أبَى ساومه حتى بلغ به من الثَمَن ما شاء الله ، فأبى أن يبيع ، فأبى أن يبيع ، فقالﷺ : "لك بها عذق يُمدّ لك في الجنة !" فأبَى أن يقبل ، فقال رسول الله للأنصاري : "إذهب فاقلعها وارمِ بها إليه ، فإنه لا ضرَرَ ولا ضرار" » ‏(١٣١٢) موثّقة السند ، فأنت تفهم منها ـ بوضوح ـ أنه يحرم الإضرارُ بالغَير ، فكذلك ـ بمقتضى وَحدة السياق ـ يجب أن يكون معنى (لا ضرر) هو أيضاً حرمةُ الإضرار بالنفس ، هكذا يَفهم كلُ العرف ، والشرعُ يكلّم الناسَ ، ومعنى النهي عن الإضرار بالنفس هو أنّ الله جل وعلا يبغضُ الإضرار بالنفس ، مّما يعني أنّ الإنسان إذا مسح على البشرة وخالف التقيّة الضررية فإنّ الله تعالى يبغض عمله هذا ، وهذا البُغْضُ يمنع من تحقّق العبادة بهذا المسح . المهم هو أنّ الإنسانَ في حال الضرر مكلّفٌ بحكم واقعي ثانويّ وهو هنا المسح على طبق التقيّة ، فالمسح طبقَ الحكم الواقعي الأوّلي يرتفع في هكذا حالة ، ولا يبقى ، وهذا ما أجمعت عليه الأمّة ظاهراً ولا أعلم فيه مخالفاً ، وأنت تعلم أنه لا يمكن أن يتّصف الحرامُ بالعبادة ، أي أنه لا يصحّ أن يكون الحرام المبغوضُ عبادةً مقرّبةً إلى المعبود لأنهما متضادّان . ولك أن تقول إنّ مسحه على البشرة مبغوض شرعاً وعقلاً ، فيكون الوضوء باطلاً لمبغوضيّته . ولذلك نقول : إنْ كانت التقيّةُ معلومةَ الضرر لوجب القول ببطلان وضوئه لأنّ إيقاع النفس بالضرر حرام ، فتكون العبادة باطلة ، كما في غسل الجنابة في الهواء البارد وبالماء البارد الذي نعلم بترتّب الضررِ عليه .

وكذلك الأمرُ إن كان يحتمل في مخالفة التقيّة الضررُ المعتدّ به عقلائيّاً فلا شكّ أيضاً في الحرمة التكليفيّة ، حتى ولو لم يترتّب ضرر واقعاً ، وذلك لأنّ تارك التقيّة كتارك الصلاة ، كما سيأتيك في الرواية بعد قليل ، وحتى مع فرْض الإتيان بنيّة القربة يظهر أنّ العمل مبغوض مبغوضيّة تامّة ، فأنت تشعر في وجدانك أنك لو سألت المعصوم عن المسح على البشرة مع احتمال حصول ضرر معتدّ به عقلائياً لقال لك إنّ الله يبغضُ لك ذلك ، كما يبغض إلقاء النفس بالتهلكة ، ولذلك يصعب الرجوعُ في هكذا حالة إلى البراءة من تقييد الصلاة بعدم الإتيان بالفعل المخالف للتقيّة أو إلى استصحاب بقاء ملاك المسح على البشرة وبقاء ملاك الوضوء الواقعي الأوّلي .

(١٣١٢) ئل ١٧ ب ١٢ من أبواب إحياء الموات ح ٣ ص ٣٤١ .

٨٨٨