وأمّا إن كانت التقيّة مداراةً وتحبباً ـ كما في مساجد أهل العامّة الذين يكرهون هكذا وضوء مخالفاً لهم ، ولكن مع ذلك لا ضرر من مخالفتهم لا على النفس ولا على الإسلام ـ فلا شكّ في عدم رفع الأحكام الواقعيّة الأوّليّة وعدم تبدّل المصلحة في الوضوء الواقعي إلى مفسدة ومبغوضيّة . ونحن لا نستدلّ هنا باستصحاب بقاء الملاك ، لأنه استصحاب في الشبهات الحكميّة ، وهو استصحابٌ باطل ، وإنما نستدلّ بالعلم ببقاء المصلحة ، وذلك لعدم وجود داعٍ لرفعها ولعدم وجود داعٍ لمبغوضيّة هذا الوضوء الواقعي الأوّلي .
فإن قلت : في التقيّة المداراتيّة لا أمر بالعمل المخالف للتقيّة ، وذلك للإطلاق في الروايات التي مفادها ما رويناه قبل قليل عن المعلّى بن خنيس ـ في صحيحته ـ قال قال لي أبو عبد اللهﷺ : « يا مُعَلَّى ، اُكتم أمرنا ولا تُذعْهُ ، فإنه مَن كَتَمَ أمْرَنا ولا يُذيعُه أعزه اللهُ في الدنيا ، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة ، يا مُعَلَّى ، إن التقية ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له ، يا مُعَلَّى ، إن الله يحب أن يُعْبَدَ في السر كما يحب أن يعبد في العلانية ، والمذيع لأمرنا كالجاحد له » (١٣١٣) فيجب أن يكون الوضوء المخالف للتقيّة المداراتيّة باطلاً لأنّ الوضوء الأوّلي ـ في هكذا محلّات ـ ليس دِيناً ، أي مَن يتوضّأ عندهم بالوضوء الأوّلي لا دين له ، وعمله ليس دين الله في مساجدهم ، وذلك كما كان الحال في التقيّة الضررية حيث قلنا ببطلان المسح على البشرة بلا خلاف فيه .
قلتُ : لم يتّضح أنّ تارك التقيّة المداراتيّة هو كتارك الصلاة ، وإن كان يحتمل ذلك ، لكن مع ذلك وحتى لو قلنا إنّ تارك التقية هو كتارك الصلاة فإننا نقول بأنّ تارك إنقاذ النفس المحترمة أيضاً هو كتارك الصلاة ، لكنْ لو ترك الإنقاذ وصلَّى لكانت صلاته صحيحةً بلا شكّ ، لما ذكرناه في مسألة الترتّب من بقاء فعليّة الأمر بالصلاة ، ورفعْ خصوصِ التنجيز لا أكثر ، وذلك لبقاء الملاك والمصلحة التامّة والمحبوبية التامّة للصلاة ، وذلك لأنّ وجود الأهمّ هو أمر خارج عن حقيقة الصلاة ، فهو يرفع منجّزيتها فقط ، ولا يرفع فعليّتها ، ذلك لما قلناه من أنّ وجود الإنقاذ هو أمرٌ خارج عن الصلاة بالكليّة ، وإنما الأمر به يزاحم الأمر التنجيزي بالصلاة لا أكثر . ولذلك نقول إنه لا دليل على رفع الوجوب الفعلي للصلاة ، لا بل نحن نعلم بعدم تقيّد وجوب الصلاة بعدم المزاحم المساوي أو الأهمّ ، ولذلك تكون الصلاة واجبة فعلاً بنحو الإطلاق ، ويستحقّ العقاب بتركِه للأهمّ ، لكن هذا لا يعني أنه يكون قد فعل حراماً وهي
(١٣١٣) ئل ١١ ب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي ح ٢٣ ص ٤٦٥ .
٨٨٩
‹