الطهارة
صفحة ٩١٣ من ٢٠٢٦

مقصّراً في حمْلِ هذا المقدار وهذه الكميّة العاديّة في المركب ، وإنما هاج البحر واضطرّ التاجر لإلقاء بعض المتاع ، ولذلك نقول : نفسُ العمليّة الإستشهاديّة ، رغم عظيم الأجر والثواب عليها ، هي في ذاتها ليست محبوبةً ، وإنما هي مبغوضةٌ ، وإنما اضطرّ الإمام المعصوم أو الوليّ الفقيه للحكم بها لجلب مصلحة عظيمة أو دفع مفسدة أعظم من قيمة روح الإمام المعصوم وقيمة أرواح المؤمنين . ونحن إذا قلنا "لقد أحسن فلان أن قدّم نفسه قرباناً في سبيل الله لأجل إعلاء كلمة الله في الأرض" فقد يُتوهّم أنّ هذا العمل في ذاته محبوب ، والصحيح أنّ هذا في نفسه مبغوض عقلاً ، والمحبوب هو أنه فَدَى الإسلام بنفسه وروحه في سبيل الله وفي سبيل دين الله .

أمّا مكان الوضوء فقد لا يشترط أن يكون مباحاً ، وذلك لعدم اشتراط صحّة الوضوء شرعاً بإباحة المكان ، وإنما نفهم حرمة التصرّف بمال الغير من العمومات ، إذن فيجب أن يكون الوضوء صحيحاً وإن كان يرتكب حراماً بالتصرّف في المغصوب ، وذلك لتغايرهما ماهيّة تماماً ، فإنّ الوضوء بالماء المباح محبوب في ذاته ، وإن كان وجودُ المتوضّي في هذا المكان المغصوب مبغوضاً ، لكن إن حصلت من المتوضّئ نيّة القربة فيجب أن يكون الوضوء صحيحاً ، لأنه لم يُشترَطُ في صحّة الوضوء أن يكون المكان مباحاً ، ولكن الإباحة شرط عام في كلّ شيء ومُفادُه حرمة التصرّف بمال الغير بغير إذنه ، لكنه غير داخل في ماهيّة الوضوء ، لا جزءً ولا شرطاً ، ولذلك ذهب بعض علمائنا إلى عدم اشتراط إباحة مكان الوضوء ، مثل المحقّق الحلّي في المعتبر . لكن مع ذلك الأحوط وجوباً أن يكون المكان مباحاً لأنّ في الوضوء تصرّفاً زائداً عن أصل الكون في المكان المغصوب ، فهو إذن مقدّمة توليديّة للحرام الذي هو التصرّف الزائد ، على أننا إن فرضنا أنّ الماء المباح في أرض مغصوبة فأنت مكلّف بالتيمّم في هكذا حالة لا بالوضوء ، وذلك لعدم قدرتك شرعاً على الماء .

ومثلُه تماماً قضيّةُ مَصبّ ماءِ الوضوء ، فإنه يجب أن يكون مباحاً على الأحوط وجوباً ، لأنّ الوضوء ـ بالدقة العقليّة أو بالنظر العرفي ـ هو مقدّمةٌ توليديّةٌ لصَبّ الماء في مُلك الغَير ، والمقدّمة التوليديّة للحرام ـ كما قلنا ـ حرام بلا شكّ ، وذلك كإلقاء الغَير من شاهق ، فإنّ المنهيّ عنه ليس هو نتيجة الإلقاء ، لأنه ليس منجّزاً عليه ، لأنّ الإنقاذَ فعلاً ـ بعد الإلقاء ـ غيرُ مقدور عليه ، وإنما الحرام المنهيّ عنه فعْلاً وبنحو التنجيز هو المقدّمة التوليديّة للإلقاء ، وكذا الوضوء تماماً ، إن كان مقدّمةً توليديّة لصَبّ الماء في مُلك الغَير .

٩١٣