الطهارة
صفحة ٩١٢ من ٢٠٢٦

نعم ، لو وجد إناء آخر مباحاً لقلنا هو مأمور بالوضوء قطعاً وبالإجماع ، فلو كان يغترف من الماء المباح الموجود في الإناء المغصوب ـ رغم وجود إناء مباح ، فيه ماءٌ مباح ـ لكان وضوؤه صحيحاً بلا شكّ ، لأنه مأمورٌ بالوضوء .

وكذا الإشكال لو توضّأ بالإرتماس منه ، لأنه تصرّفٌ بالإناء المغصوب ، ولأنّ الوضوء مقدّمة توليديّة لزيادة التصرّف بالإناء ، والمقدّمة التوليديّة للحرام حرام ، وإن كان يحتمل الصحّة لكونه يتصرّف بالماء المباح ، واهتزازُ الماء بهذا الإرتماس مغايرٌ للتوضّي بالماء المباح ، وإن كانا متلازمين خارجاً ، لكن مع ذلك يجب الإحتياط لأصالة الإشتغال .

نعم ، إذا أفْرَغَ الماءَ منه في ظرف مباح فتَوَضّأ أو اغتسل فإنهما يصحّان بلا شكّ ولا خلاف ، حتى وإن كان عاصياً من جهة تصرفه في المغصوب . لا ، بل يجب عقلاً وشرعاً إفراغُ مائه في إناء آخر مباح ، كي يتخلّص من زيادة التصرّف بالإناء المغصوب ، لكنْ إن كان وضْعُه الماءَ المباح في الإناء المغصوب بسوء اختياره كان وجوبُ الإفراغ ليس على نحو وجوب الصلاة والصيام ، وإنما يكون على نحو وجوب ارتكاب أقلّ الحرامَين أي أقلّ المحذورَين ، فهو حتى بالتفريغ يرتكب حراماً ، لكنْ إبقاءُ مائه في الإناء المغصوب هو زيادة في التصرّف ، فيجب ارتكابُ أقلّ المحذورَين للتخلّص من أشدهما مبغوضية وحرمة . لكن إن كان غيره وضع ماءه المباح في إناء مغصوب واضطر صاحبُ الماء أن يتخلّص من زيادة التصرّف بالإناء فإنه يجب تفريغ مائه المباح من الإناء المغصوب شرعاً وعقلاً ، وفي هكذا حالة هو لم يرتكب حراماً بالتصرّف بالإناء المغصوب ، لأنه أراد التخلّص من زيادة التصرّف به الذي أوقعه به غيره ، لكن هذا التصرّف هل هو مبغوض ـ بعد الفراغ عن عدم حرمته ـ أم هو واجب ؟ مثلاً : العمليّة الإستشهاديّة ـ سواءً كانت في كربلاء أو في غيرها ـ هل هي محبوبةٌ في نفسها أم ماذا ؟ الجواب : يظهر أنّ المبغوضَ مبغوضٌ حتى ولو كان خارج إرادة الإنسان ، فالله تعالى لا يحب للإنسان أن يقتل نفسَه ، ولذلك إن أمكن دفعُ محذورِ قتْلِ النفْس بعملٍ آخر يُوصل إلى نفس النتيجة لوجب ذلك ، وإلاّ لجاز حينئذ إلقاءُ النفس في التهلكة لأجل دفع مفسدة أعظم من النفس ، كحفظ الإسلام من الإندثار أو التحريف ، كما حصل فعلاً في كربلاء وكالعمليّات الإستشهاديّة التي حصلت في زماننا ، وكما لو ثقل المركب في البحر لهيجان البحر ودخول كميّة كبيرة من الماء في أسفله فاضطرّ الشخصُ إلى إلقاء بعض متاعه لتخليص الأعمّ الأغلب ، إلقاءُ بعض متاعه ليس أمراً محبوباً في ذاته ، وإنما هو مبغوض في نفسه ، وقد لا يكون التاجر

٩١٢