الطهارة
صفحة ٩٩٤ من ٢٠٢٦

أقول : الناظرُ إلى الروايات المطلقة يستبعد إرادة الإطلاق منها ، ويستقرب بوضوح وجوبَ الجمع العرفي بينها وبين روايات الأذكريّة ، فلو شككتَ في أخذ الوكالة من الزوجة بعد إجراء العقد والخروج من مجلس العقد واحتملت أن تكون متوجّهاً للحكم الشرعي حين العقد لجاز لك أن تبني على أخذ الوكالة من الزوجة ، وكذا لو شككت في صحّة صيغة الطلاق بعد الخروج من مجلس الطلاق . وإنما نقول بلزوم الأخذ بطائفة الأذكريّة ونرجّح تقييدها للطائفة المطلقة ، لأنّ الأصل هو عدم التعبّد بقاعدة الفراغ ، وأيضاً الأصلُ هو أنّ الإشتغال اليقيني يستدعي الفراغَ اليقيني .

وأمّا مسألتنا المفروضة فلا يبعُدُ صحّةُ القول بعدم وجوب إعادة الوضوء للصلاة التي لم يفت وقتها ، وذلك لاحتمال أن يكون الحاجبُ قد طرأ بعد الوضوء ، إضافة إلى أنّ عدم جريان قاعدة الصحة في مثل هكذا حالة هو أمرٌ مستهجَنٌ ومُحرِجٌ للناس ، إذ أنك حينما ترى حاجباً على قفا يَدكَ ـ مثلاً ـ بعد توضّئك بساعة مع علمك بعدم التفاتك إلى ذلك عند الوضوء فقد تحتمل وجودَه قبل الوضوء ، فلو لم تَجرِ قاعدةُ الصحّة فهذا يعني لزومَ أن نبني على عدم صحّة الوضوء وبلزوم إعادة الصلاة ، وهذا أمرٌ لا يصدَّقُ ، لكنْ يجب تقييد هذه الطائفة المطلقة بالقدر المتيقّن فقط ، كما لو شَكَّ ـ بعد فراغه من الوضوء ـ في وجود حاجبٍ أثناء الوضوء .

على كلٍّ ، لا يمكن الجزمُ بإرادة الإطلاق في الطائفة المطلقة ، إذ يبعد إرادةُ الإطلاق فيها ، ويجب تقييدها بروايات الأذكريّة ، ولذلك لا يجوز الإعتماد على هذه الروايات المطلقة وإنما يمكن الإعتماد ـ في قولنا بصحّة وضوء مَن يشكّ بعد الوضوء في وجود حاجب وهو يعلم بعدم التفاته ـ على الإرتكاز وسكوت المعصومين﴿ﷺ﴾ ، إذ كلّ إنسان يحتمل بعد وضوئه بساعة مثلاً وجودَ حاجب أثناء وضوئه ، ومع ذلك لا يهتمّ الإنسان بذلك ، والأئمةُ﴿ﷺ﴾ سكتوا عن هكذا ارتكاز ، إضافةً إلى إمكان الإعتماد على قواعد رفع الحرج والضرر عن الإنسان ، إذ أنه لولا البناءُ على عدم الحاجب ولولا البناءُ على صحّة الوضوء لوجب على كلّ إنسان يَشكّ في وجود حاجب أثناء وضوئه وهو يعلم بأنه لم يكن ملتفتاً لذلك أثناء وضوئه أن يعيد وضوءَه وصلواته ، وهذا مخالف للوجدان ولا يحتمله فقيه قط ، ولذلك أجمع الفقهاء المعلّقون على العروة ـ إلاّ السيد الخوئي ـ على جواز بنائه على عدم الحاجب وعلى صحّة وضوئه ، أمّا السيد الخوئي فقد اشترط وجود احتمال للإلتفات أثناء وضوئه .

٩٩٤