لو اغتسل ـ رغم الحرج الشديد ـ لصحّ غُسْلُه لبقاء الأمر الفعلي به ، وإن توسوست فقُلْ : لبقاء وجود الملاك فيه ، وبالتالي لبقاء محبوبيّته ولبقاء الأمْرِ به فعلاً ، حتى ولو قلنا برفع منجّزيّته .
وهذا بخلاف حالة الوقوع في الضرر المحرّم ، فإن المفسدة الحاصلة فيه تَغْلُبُ المصلحة في الغُسل في مرحلة الملاك ، فيكون الغُسل مبغوضاً ومحرّماً ، وعلى الأقلّ ـ مع الشكّ في تبدّل المصلحة إلى مفسدة ـ نقول : عندنا شكّ في بقاء الملاك في الغُسل في حال التضرّر من الغُسل . على كلٍّ ، فقد أجمع العلماء على تحريم إيقاع النفسِ في الضرر ، فإذا ثبتت الحرمة ، ولم يثبت بقاءُ الملاك والمحبوبية في الغُسل الضرري ، لم يمكن القول بصحّة الغُسل الضرري ، ولا يمكن التقرّب إلى المولى تعالى بفعلٍ يُحَرّمُه .
كما يصعب التقرّب إلى المولى بفعل يحتمل التضرر منه ، وح يصعب القول بصحّة الغُسل المشكوك الضرريّة ، وذلك لعدم إحراز وجود الملاك والمحبوبية فيه ، كما لو كان يحتمل حصول إلتهاب في جُرْحه لو اغتسل .
❈ لو كان الإنسانُ جاهلاً بتحقّق الضرر فاغتسل رغم ذلك ، فهل يكون غُسله صحيحاً أو باطلاً ؟ وبتعبير آخر : هل الضررُ الواقعي يُسقط الملاكَ أم لا ؟
الجواب متوقّف على العلْم ببقاء المصلحة والمحبوبية ، فإن لم نعلم ببقاء المصلحة والمحبوبية فح يجب القولُ ببطلان الغُسل ، وح يمكن القولُ بأنّ تحريم الإضرار بالنفس هو لمصلحة الإنسان ، فلو فعل فعْلاً تضرر به واقعاً مع اعتقاده بعدم الضرر فح لا يبعد القولُ بصحّة غُسلِه ، كما لو كان عنده جرح وكان يعتقد أنه بغسله لن يتضرّر ، فاغتسل ، ثم أخبره الأطبّاء بأنه سوف يتضرّر ، فح قد يقال بصحّة غسله ، وذلك لأنّ هذا النهي وهذا التحريم لإضرار النفس هو لمصلحة الإنسان ، وفيه امتنان عليه ...
أقول : لكنّ الجزمَ بذلك صعب ، لأنّ الظاهر أنّ الضرر والواقعي يسقط الخطاب ، وذلك لظهور (لا ضرر) في عدم وجود أحكام ضررية في الشرع . وبتعبير آخر ، بالنهي عن الإضرار بالنفس ، لا يمكن ادّعاءُ بقاء الملاك ، لعدم وجود كاشف عن بقائه . ثم أليست كلّ التحريمات هي لمصلحة الإنسان ، كشرب الخمر وأكْلِ الميتة ؟! ولذلك يصعب القول بصحّة الغُسل .
نعم ، إذا كان الضرر قليلاً بحيث تطول مدة الشفاء بضعة أيام أزيد ممّا لو لم يغتسل ، ففي هكذا حالة لا يبعد صحّة ادّعاء بقاء الملاك والمحبوبية ، وأنّ النهي عن الإضرار بالنفس في هكذا حالة هو لمجرّد الإمتنان ولمصلحة الإنسان .
١١٦٥
‹