الإشارة إلى مناظرات متعددة كانت للشيخ الصدوق﵀ في مجلس ركن الدولة وغلبته على الآخرين باستدلاله العقلي والنقلي وما حظي به من ثناء من قِبَل ركن الدولة ، أو المناظرة التي عقدها عز الدولة (بختيار) في بغداد بين كبار العلماء ، ومن جملة ذلك المواجهة التي حصلت بين أبي عبد الله البصري وعلي بن عيسى الرماني في رمضان عام ٣٦٠ ، أو ما جرى من مناظرة بين أبي إسحاق النصيبي وأبي بكر الباقلاني في بلاط عضد الدولة في شيراز .
وقد سعى معظم حكام بني بويه إلى أن يختاروا وزراءهم من العلماء ومن المؤالفين لمذهب التشيع قدر الإمكان ، فمن وزرائهم برز علماء كبار مثل أبي الفضل محمد بن العميد وزير ركن الدولة ، والصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة وفخر الدولة ، وأبي علي سينا وزير شمس الدولة ، بما يعبر عن حسن تفكير واختيار لدى هؤلاء الحكام ، بنحوٍ أنّ المعارف الإسلامية قد ازدهرت في عهد بني بويه مما دفع بعضَ المؤرّخين إلى التعبير عن هذا العهد بـ "عصر النهضة الإسلامية" .
وبالإضافة إلى النهضة العلمية والثقافية فقد حرص أكثر بني بويه ولا سيما زعماء هذه السلالة على إحياء عقائد الشيعة ، ففي محرم من عام ٣٥٢ كان معز الدولة من جملة الخارجين في بغداد للعزاء والنوح على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، واستمر الحال كذلك لسنوات طويلة كما نقل ابنُ كثير في البداية والنهاية ، وأبو الفرج في المنتظم .
وفي الثامن عشر من شهر ذي الحجة للسنة نفسها ( ٣٥٢ هـ ) أقاموا المهرجانات بشكل رسمي بمناسبة عيد غدير خم واستمروا على ذلك سنين مديدة .
وفي عام ٣٦٣ هـ / ٩٧٤ م أمر عضد الدولة بنصب لوح على تخت جمشيد خطت عليه أسماء الأئمة الإثني عشر مع عبارات السلام والتحيات عليهم ، وجسَّدَ ميولَه الشيعية من خلال بنائه لمرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبﷺ في النجف ومرقد الإمام الحسينﷺ في كربلاء ، ولما توفي دفن إلى جوار مرقد الإمام عليّﷺ .
إن أهم ما كسبه الشيعة في عهد بني بويه هو التجاهر بمعتقداتهم دون اللجوء إلى التقيّة ، وفي هذه الحقبة اتخذ مذهبُ الدولة طابعَ التشيّع ، دون الإعلان عن ذلك رسمياً ، وقد استقطب ذوي العلم والفكر إليه ، لا سيما التجار وكبار المسؤولين وعمال الدولة الذين كانوا يسكنون جانب الكرخ ، وعمال دار الحكومة بل وحتى الذين يعملون في دار الخلافة .
وبإيجاز ، بوسعنا القولُ إنّ عزيمة أقطاب هذه السلالة وحزمهم في الدعوة إلى الحق وتعلقهم بأهل البيت عليهم السلام وحسن سيرتهم مع الرعية وما رافق ذلك من همة عالية لكبار علماء الشيعة أمثال الشيخ الصدوق﵀ والشيخ المفيد﵀ وما شهده ذلك العصر من مناظرات بين علماء المذاهب الإسلامية ، كل ذلك يعد من مفاخر هذه السلالة ، ففي ذلك العصر الذي اتسم بالحرية استطاع الشيخ الصدوق والشيخ المفيد وسائر العلماء من توطيد أركان المذهب الشيعي والترويج له، فشق طريقه إلى سائر الأمصار الإسلامية بقوة.
١٣
‹