• المراد من الصلاة في بحثنا ليس فقط صلاةَ الفريضة وإنما المراد من الصلاة هنا هو كلّ صلاة بما فيها صلاة الآيات والصلوات المستحبّة ، وذلك لإطلاق كلمة الصلاة الواردة في الروايات ولأنّ الله أحبّ أن لا يُعبَدَ إلا طاهراً كما في الرواية الآتية ، وهذا هو المشهور عند العلماء .
والآن نبدأ في بحث المسألة فنقول :
أمّا على المستوى الثبوتي فنقول : لا يمكن القولُ بالحرمة الذاتية للصلاة فإنّ موضوع الحرمة سيكون (الصلاة من حيث كونها عبادةً شرعاً) ، هذه الصلاةُ المحرَّمة ليست عبادة لأنها ليست حسنة كما هو الحال في العبادات الحسنة ذاتاً ، بل هي مبغوضة ذاتاً ، ولذلك لا يوجَد أمْرٌ بها في مرحلة الجعل ، ولذلك لا يوجَدُ (صلاةُ الحائض) في عالَم الجعل والأوامر كي يُنهَى عنها ، فمَن يعتقد بذلك فكمَن يعتقد بوجوب الصلاة عند طلوع الشمس أو يعتقد بوجوب الصيام ـ من غير نذر ونحوه ـ في شهر رجب مثلاً ، وقد يصير مرتداً إذا كان ذلك يجرّ إلى تكذيب النبيّﷺ ... هذا على مستوى الجعل .
أمّا على مستوى الإمتثال فنقول بأنه لا يمكن الإتيانُ بالصلاة الشرعية للحائض خارجاً من باب عدم وجودها جعلاً وأمْراً ، فانتَفَى البحثُ من أصله ، نعم ، لو ارتكبت الحائضُ ذلك بنية التشريع فهي متجرّية ، وتستحقّ العقابَ على تجرّئها كما قلنا قبل بضعة أسطر حيث نحتمل أن ترتدّ بسبب هذا التجرّؤ إذا عَنَى التشريعَ والبدعةَ عن سوءِ نية .
فعلى هذا الأساس يجب أن يُحملَ النهيُ الواردُ في الروايات على التجرّي ـ وليس نفسُ الصلاة هي الحرام كما كان الحال في حرمة شرب الخمر ـ . وبتعبير آخر : بناءً على ادّعاء الحرمة الذاتية ـ في مرحلة الجعل ـ لن تكون الصلاةُ عبادةً ، لأنه لا يوجَدُ أمْرٌ بالصلاة للحائض فلن نصل إلى مرحلة كون صلاة الحائض محرَّمةً .
وبناءً على عدم وجود أمر بالصلاة على الحائض ، يصير من الممكن لها أن تحتاط بالصلاة ـ على فرض التردَّد في كون الدم حيضاً أو استحاضة ـ بلا أن تقع في محذور احتمال فعل الحرام ، فهي تصلّي لاحتمال وجوب الصلاة عليها ، فإن كانت طاهرة فصلاتُها صحيحة ، وإن كانت حائضاً فلا صلاةَ من الأصل ـ كما قلنا ـ كي نقول بحرمة فعْلها .
ولك أن تقول ـ بوجهٍ آخر ـ إنّه لو فرضنا الحرمةَ الذاتية لصلاة الحائض ، فالحرمةُ ستكون هكذا : صلاة الحائض بقصد الصلاة والعبادة بنحو الجزم حرام .
‹