فوَجَبَ الوضوءُ لأجل تجدُّد الحَدَثِ كلَّ دقيقة ، على أنّ أصالةَ الإشتغال العقلية تقتضي عدمَ صحّة النافلة بغير وضوء لها .
أقول : لكنْ مع ذلك لا يُمكنُ الإفتاءُ بضرسٍ قاطع بلزوم الوضوء لكلّ نافلة نافلة على نحو الإطلاق المذكور ، وذلك لاحتمال إرادة معنى « ... وصلّتْ كل صلاة فريضة بوضوء » ممّا لا يَمنع معها الإتيانُ بالرواتب اليومية السابقة على فرائضها بنفس وضوء الفريضة ، وذلك لأنّ صلاتَها بالوضوء يَكشفُ عن كونها طاهرةً بين الوضوء والصلاة ، وهذا يقرّبُ القولَ بصحّة الإتيان بالرواتب اليومية السابقة على فرائضها بهذا الوضوء لأنها طاهرة . وبتعبيرٍ آخرَ ، مِنَ المعلوم عدمُ وجوب الفورية في أداء الفريضة بعد الوضوء ، فلها أن تتأخّر ربع ساعة مثلاً بعد الوضوء لتأتي بالفريضة ، ومع ذلك تَبقَى طاهرةً بلا شكّ ، ولا مانع من أن تَفصل بين وضوئها وصلاتها بعمل صغير كأنْ تأكل مثلاً أو تشرب ، ولا يُحتملُ أن يَبطُلَ وضوؤُها بسبب الأكل أو الشرب ، إذن هي طاهرةٌ بلا شكّ فيجوز لها أن تأتيَ بالرواتب اليومية السابقة على الفرائض والتي منها صلاة الليل ـ بدل الأكلِ والشرب ـ وتصحّ منها لأنها طاهرةٌ ، على أنّ الوضوءات الخمسة لا أكثر هو الأقرب إلى السهولة المعروفة في الشريعة السهلة السمحاء . وقد يمكن الإستدلال بضعيفة إسماعيل بن عبد الخالق السالفة الذكر تحت رقم ١٣ حيث قال فيها : سألت أبا عبد اللهﷺ عن المستحاضة كيف تصنع ؟ قال : « إذا مضى وقت طهرها الذي كانت تطهر فيه فلتؤخّر الظهر إلى آخر وقتها ، ثم تغتسل ، ثم تُصَلّي الظهر والعصر ، فإن كان المغرب فلتؤخّرْها إلى آخر وقتها ثم تغتسل ، ثم تُصَلّي المغرب والعشاء ، فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تُصَلّي ركعتين قبل الغداة ، ثم تُصَلّي الغداة »(٢٥٢٤) وذلك بتقريب وحدة المناط .
فإن قلتَ : إذا صحّتْ هذه النوافلُ السابقةُ على فرائضها بين الوضوء والفريضة ، كما في صلاة الليل ونافلة الفجر ونافلتَي الظهر والعصر ، فيجب أن تصحّ النوافلُ بعد الفريضة أيضاً لنفس السبب المذكور ، وهو أنها إن توضّأت لنافلة المغرب مثلاً ، جاز لها الفصلُ بأيّ عملٍ شاءَت كالأكلِ والشرب مثلاً ، فإذا جاز لها الفصلُ بعملٍ ما جازت لها صلاة المغرب بهذا الوضوء بين الوضوء ونافلة المغرب .
(٢٥٢٤) ثل ٢ ب ١ من أبواب الإستحاضة ح ١٥ ص ٦٠٨ .
١٥٥٣
‹