قلتُ : أمّا ادّعاء إجماع أصحابنا على ترك هذه الرواية فغير صحيح بعدما رأيت من نسبة القول بطهارة خُرء وبول الطائر الغير مأكول اللحم إلى الصدوق والشيخ وغيرهما ، على أنّ مخالفة المشهور ليس بمشكلة بعد عدم كاشفية الشهرة عن رأي المعصومينﷺ وبعد الظن القويّ باعتمادهم على الأخبار التي ذكروها لنا ، فقد ذكروا أنّ السبب في الترجيح الأشهريّةُ أو كيفيّةُ جمعهم بين الروايات . المهم هو أنه لم يثبت أنهم أسقطوا هذه الرواية عن الإعتبار ، وبتعبير أضبط : لم يثبت سقوط صحيحة أبي بصير عن الحجيّة .
فإن قلتَ : يوجد ملازمةٌ تكوينية بين نجاسة بول وخُرء ما لا يؤكل لحمه من الدوابّ وبول وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور ، بمعنى أنّ المناط واحد ، فكلاهما من جنس السباع أو قل من آكلي اللحوم .
قلتُ : لا وجه لهذه الملازمة أصلاً ، بل هذه الدعوى قياس واضح مرفوض في الشرع ، ولا دليل عليها .
أقول : لكن رغم صحّة استدلالنا المذكور ـ علْمياً ـ على طهارة خُرء الطيور التي لا يؤكل لحمها لكن لا ينبغي ترك الإحتياط لأنّ خريئها شبيهٌ ـ بخباثته وقذارته الماديّة ـ بخريء السباع التي تأكل اللحومَ والمَيتةَ ، لذا يكون لخُرء هذه الطيور الكاسرة رائحةٌ نتنةٌ على ما أفادنا عدّةُ خبراء ، وقالوا بأنّ الأرجح قذارتُه الماديّة لأنها تأكل الجِيَف . ولم يجزموا بقذارة كقذارة خُرء السباع ـ بخلاف رَوث الأنعام والطيور المأكولة اللحم والتي لا تأكل اللحوم وإنما تأكل الحبوب والخضار فقط ، ولذلك يشعر الإنسان بفطرته بطهارة رَوثها ولا يستقذره ، خاصّةً بعد جفافه ، وكلّ المزارعين يعرفون ذلك ، لذلك يجب القول بأنه يجب غسله على الأحوط استحباباً .
* * * * *
۞ وأمّا روث ما لا نفس له سائلة كالحية والسمك ـ سواءً كان حلالَ الأكل أو حرامه ـ فالظاهر طهارته ، وهو المشهور بل ادّعَى في المعتبر عليه الإجماع ، وادّعى عدم الخلاف في ذلك في الحدائق ، للأصل ولطهارة ميتته ودمه ، ففضلاتها أشبه شيء بعصارة النبات . وقد روي في أكثر من رواية أنّ "الجراد ذكيّ والحيتان ذكيّ" وأنّ "الحوت ذكيّ حيُّه وميّته" ، وهذا يدلّ على أنه ليس لهما نفس سائلة .
فإن قلتَ : لا ملازمة عقلية بين طهارة ميتته ودمه من جهة وطهارة روثه من جهة أُخرى .
١٦٨
‹