❊ وهذه الرواية لا تفيد وجوبَ توجيه المحتضِر نحو القبلة ، فإنّه لا يجب علينا الإحسانُ إلى الميّت لينالَ هو إقبالَ الله وإقبالَ الملائكة عليه وإن كان هذا العمل في غاية الجودة والإحسان .
على كلٍّ فقد اشتهر الحكم بالوجوب كما في الروضة البهيّة وكفاية الأحكام(٢٨٩٥) والمدارك ، ونسب إلى الأشهر ، وإلى الأكثر أيضاً ، ولكننا ذكرنا في تعليقتنا على موثقة زيد بن علي السالفة الذكر قبل بضعة أسطر عدمَ دَلالة الموثَّقة على وجوب توجيه المحتضِر إلى القبلة وإن كان هذا العملُ في غاية الجودة والإحسان .
❊ ثم إنه يُسَمَّى المُشرِفُ على الموت بالمُحْتَضِر إمّا لحضور الملائكة الموكَّلين بقبض الأرواح ، أو لحضور أهله عنده ، أو لصيرورة أعماله نُصْبَ عينيه وحاضرةً لديه . وعلى أيّ حال ، الإحتضار هو من أشدّ الأحوال على الإنسان ، أعاننا الله على تلك اللحظة .
(٣٠٦) وذلك لقاعدة الميسور ، فإنّ توجيهه إلى القبلة جالساً ـ مع تعذُّرِ اضطجاعه على ظهره باتّجاه القبلة ـ هو مدعاةٌ لإقبال الله وإقبال ملائكته عليه ، وكذا ـ مع تعذّرِ إجلاسه ـ يضطجع على يمينه فإن لم يستطع فعلى يساره ، فإنه أيضاً مدعاةٌ لإقبال الله وإقبال ملائكته عليه . فإن قلتَ : أصلُ قاعدة الميسور غيرُ ثابتة شرعاً ، قلتُ : نعم ، هذا صحيح ، ولكن ما ذكرناه من الترتيب واضحُ الصحّة ، لأّنّ الجالس والمضطجع على يمينه ويساره ـ مع تعذّرِ المرتبة الأكمل ـ مدعاةٌ لإقبال الله وإقبال ملائكته عليه ، لأّنّ باطن قدميه يكون باتّجاه القبلة المشرّفة بحيث لو جلس لاستقبلها ، ولا ينبغي التشكيك في هذه البديهة .
(٣٠٧) وذلك لشمول لفظة ميّت للرجل والمرأة والكبير والصغير البالغ والمميّز ، على أنّ التعليل بإقبال الله تعالى والملائكة على الميّت غيرُ مختصٍ بالرجل .
❊ ثم إنّ اشتراط التشيّع هو حكمٌ إجماعي ، فإنّك تَفهَمُ مِن التعليل بإقبال الله تعالى والملائكة على الميّت اشتراطَ أن يكون المحتضَرُ شيعياً ، لأّنّ غير الشيعي ـ من المخالفين والفاسقين والكفار والنواصب ـ لا كرامة له عند الله ولا يَنظُرُ اللهُ إليه إلا أن يكون قاصراً ، وبكلمة أخرى : بما أنّ أهل النار من غير الشيعة لا يَنظر الله إليهم فلا يستحبّ توجيهُهم نحو القبلة وإنما نَدَعُهُم لربّهم ، وقد يستفاد ذلك من صحيحة سليمان بن خالد أيضاً حيث قال : سمعت أبا عبد اللهﷺ يقول : « إذا مات لأحدكم مَيّتٌ فسُجُّوه تجاه القبلة ... » . نعم ، لو كان المحتضرُ ممّن يَهُمُّ
(٢٨٩٥) هو كتاب كفاية الفقه المشتهر بكفاية الأحكام للمولى محمد باقر السبزواري المتوفى سنة ١٠٩٠ هـ .
١٧٣٥
‹