الموجِّهَ أمرُهم ـ كأنْ كان أباً للمُوَجِّه أو أمّاً أو ولداً ونحو ذلك ـ وكانوا مخالفين ، فمنَ اللائق توجيهُهم نحو القبلة ولو من باب البرّ بالوالدين والشفقة على الأولاد والإخوة ونحوهم ، ويسأل الله تعالى لهم الرحمة والمغفرة . فلا تَقُلْ : "ألزِموهم بما ألزَمُوا به أنفسهم ، فلن نوجّههم وإنما نضعهم عرْضاً كما يَعتقدُ أهلُ العامّة" ، فإنك ينبغي أن تكون رحيماً بالأقربين .
ولا بأس هنا أن ننقل ما ذَكَرَه في (فقه الصادق) قال : "وأمّا المخالفُ ففيه قولان ، يشهد لعدم وجوب توجيهه ـ مضافاً إلى ما قيل من أنه ورد أنه يُلزم له بمذهبه وهو لا يرى ذلك ـ أنّ التوجيهَ إلى القبلة تهيئةٌ للميّت للرحمة كما يشهد له المرسل(٢٨٩٦) والمخالفُ لا يَصْلُحُ لذلك ، وبه يظهر مدركُ الإختصاص بالمسلم وعدم الشمول للكافر" (إنتهى) .
(٣٠٨) إعلمْ أنه لا يجب أن يكون التوجيهُ بإذن وليّه وذلك لما يظهر من هذه الروايات أنّ توجيهه بما أنه واجب كفائي ، فلا ولاية لأحد في ذلك ، فعلى بعض الناس توجيهُه ، وهذا لا يُعتبَرُ بمثابة التصرّف بمال الميّت ليكون بحاجة إلى إذن الورثة . بتعبيرٍ آخر ، أفرض أنّ وليّ الميّت قال "لا أريد توجيهَه نحو القبلة" لوجب ـ رغم ذلك ـ على سائر الناس توجيهُ الميّت نحوها ، ولذلك يوجد شكّ في وجود ولاية لأحدٍ في هذا الأمر الواجب والأصلُ عدم وجود ولاية .
وبتفصيلٍ أكثر ، إذا كان التوجيهُ بإذن المحتضِر وأمرِه فالأمر واضح ، وأمّا إن لم يكن المحتضرُ واعياً فكذلك ، وذلك لأّنّ توجيهَه نحو القبلة هو إحسان له ، بل لا دليل على كون غيره وليّاً عليه في أمرِ التوجيه وذلك لأّنّ التوجيه هو إحسانٌ محضٌ للمحتضِر فهو كوضْع الأوكسجين له وليس من قبيل التصرّف بماله ، خاصّةً إذا كنّا نريد التخفيفَ عن المحتضِر ، وكان وليُّه ممّن يجهل بهكذا أمور فكان يتساهل بتطبيقها أو يخالفنا فيها .
(٣٠٩) وذلك للروايات السالفة الذكر من قبيل صحيحة سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبد اللهﷺ يقول : « إذا مات لأحدكم مَيّتٌ فسُجُّوه تجاه القبلة ... » ومصحّحة إبراهيم الشعيري وغير واحد عن أبي عبد اللهﷺ في توجيه الميت قال : « تستقبل بوجهه القبلة وتجعل
(٢٨٩٦) يقصد موثّقة زيد بن علي السابقة « ... وجِّهُوه إلى القبلة ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة ، وأقبل اللهُﷻ عليه بوجهه ، فلم يزل كذلك حتى يُقبَض » .
١٧٣٦
‹