وقد تقول بأنها حُكمٌ شرعي لا يَسقُطُ إلا بإسقاط جاعل الحكم عزّ وجلّ ، ولقوله تعالى ﴿وأُولُوا الأرحام أوْلى ببعضٍ في كتاب الله﴾(٣٠٨) فالباري تعالى حينما أعطى الولاية للزوج في شؤون زوجته من تغسيلها وتحنيطها وتكفينها ومكان دفنها فليس له أن يقول أنا أسقطت ما جعله الله لي ، بل حتى ولو أسقط هذه الولايةَ فإنّ له أن يرجع إليها لأنها حقُّه الإلهي ، ولذلك نقول إنّ جاعل الجعل عزّ وجلّ ومالك الحكم هو صاحب الحقّ في إسقاط الحكم الشرعي ، وذلك كما في الأعيان الخارجية فإنّ لك الولايةَ التامّة عليها ، فليس لك أن تقول لشخص أعرتَه الكتابَ الفلاني : أسقطْتُ عنك كتابي ، أو أسقطْتُ عنك الإنتفاعَ به ، وذلك لأنه لا يصحّ إطلاق (حقّ) على الأعيان الخارجية المملوكة ، وإنما تبقى الولايةُ فيها لك . وبتعبير آخر : الحكمُ الشرعي هنا وضعيّ ، ولأنه حكمٌ شرعي فهو لا يقبل النقل والإنتقال ولا الإسقاط لفرض أنّه ليس للمحكوم عليه فيه إلا الإمتثال والإنقياد ، ولا سلطنة له على الحكم الشرعي غير الإمتثال ، فلا موضوع للنقل والإنتقال وذلك كحقّ الأبوّة وحقّ الولاية للحاكم الشرعي وحق الإستماع بالزوجة وحقّ الأقارب في النفقة وحقّ الرجوع في العدة الرجعية فهي أحكام إلهية ، وهي عبارة عن إعطاء الولاية لهم في ذلك وإن عُبِّر عنها أحياناً بأنها حقوق كما في قوله تعالى ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بردِّهِنَّ﴾ فإنّ المراد منه أنّ ولايته في إرجاعها تقتضي حقَّه في ردّها ، ولذلك فهي لا تقبل النقل والإنتقال والإسقاط مطلقاً ، فقد قال عدّةٌ من مراجع العصر بأنّ "الظاهر أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي هو حُكمٌ شرعي غيرُ قابلٍ للإسقاط وليس حقاً قابلاً للإسقاط كالخيار في البيع الخياري ، فلو قال الزوج "أسقطْتُ ما لي مِن حقّ الرجوع" لم يَسقُط حقُّه وكان له الرجوعُ بعد ذلك ، وكذلك إذا صالح عنه بعوض أو غير عوض" (إنتهى) والسببُ في ذلك هو أصالةُ دوام الحكم الشرعي بحقّ الرجعة إلى منتهى عدّتها ولعدم تقيّد ولايته بعدم الإسقاط وعدم المصالحة عليه ، أي ليس الحكم الشرعي هكذا "إن لم تُسقط حقك فإنّ الولاية تبقى لك" وإنما هي هكذا "الولاية لك دائماً أي حتى ولو أسقطْتَ حقَّك" ، وذلك كما لو تصدّقْتَ بدل صلاة الفريضة وحصل عندك شكّ بسقوطها ، فإنّ عليك أن تبني على بقاء وجوب الصلاة وعدم سقوطها . وهذا الوجه الثاني هو ما يجب القول به .
٭ ثم اعلم أنّ الحقوق ـ بحسب ما هو المعروف في الفقه ـ أربعة :
(٣٠٨) الأنفال ـ ٧٥ .
١٧٨٥
‹