النجاسة لا أكثر ، ولا شكّ أنّ بعض السوائل المعقّمة أبلغُ في التطهير من الماء .
بل لا يُحتملَ كونُ التطهير قضيةً تعبّديةً أي تحتاج ـ فوق إزالة النجاسة وآثارها ـ إلى نيّة قربة ولا قضيةً توقيفية ـ كصيغتَي الزواج والطلاق ـ تحتاج إلى شيء آخر لا ندركه ، فكما لا يعقل أن يأمرنا اللهُ تعالى بالقبيح لا يعقل أن يأمرنا بالغَسل وتكون غايته غيرَ إزالة النجاسة .
وبعد هذا لم أفهم معنى معقولاً لقول صاحب الجواهر ـ في ردّه على السيد المرتضى ـ من أنه لا تلازم بين زوال النجاسة حسّاً ـ أي خارجاً وعقلاً ـ وزوالها شرعاً ! فماذا يريد صاحبُ الجواهر بعد زوال النجاسة وآثارها ؟! هل يريد منّا أن نصلّي ونصوم ونذهب إلى الحجّ أيضاً حتى تحصل الطهارةُ ؟! أو يريد أن نَقرِض لحومَنا ؟!
وكذلك لم أفهم معنىً معقولاً لقوله "ودعوى أنّ الطهارة الشرعية عبارة عن النظافة العرفية فِريّةٌ بيّنة ، إذ المستفاد من تعفير الإناء والصبّ مرّتين وغيرِ ذلك خلافُه" ،
إذ أنّ كلامنا إنما هو على فرض علمنا بزوال النجاسة وآثارها ، وكلامنا هو في كبرى الملازمة بين زوال النجاسة تكويناً والطهارة شرعاً ، وأمّا الأمرُ بالتعفير في ولوغ الكلب والصبّ مرّتين بعده وكذا في نجاسة البول فلا ينافي ما نقوله لأنّ هذه الأوامر إرشادٌ إلى عدم زوال النجاسة ـ أي عدم حصول الطهارة ـ إلاّ بهذه الطريقة ونحن نتبع الشارعَ المقدّس إذا أرشدنا إلى كيفية معيّنة في التطهير لأنّ ذلك يُرشدنا إلى صغرى كيفية زوال النجاسة ، وكلامُنا ليس في الصغرى ، إنما هو في كبرى "حصول الطهارة بمجرّد زوال النجاسة وآثارها".
والظاهر أن هذا هو مراد ابن أبي عقيل والشيخ المفيد والسيد المرتضى والفيض الكاشاني ، بل ادّعى السيد المرتضى الإجماعَ على التطهير بالمضاف ، وقال بأنّ تطهير الثوب ليس إلاّ إزالةَ النجاسة عنه ، وقد زالت بغير الماء مشاهدةً . وقال أيضاً بجواز تطهير الأجسام الصقيلة بالمسح بحيث تزول عنها عينُ النجاسة معلّلاً لذلك بزوال العلّة .
أقول : من خلال كلام هؤلاء القدماء ووجدانية أنّ التطهير هو إزالة النجاسة تعلم أنّ ادّعاء الشيخ الطوسي "أنّ أكثر الفقهاء على خلاف السيد المرتضى في هذه الفتوى" إدّعاء خاطئ حتماً ، كأكثر ادّعاآته للإجماعات الغريبة بل والمتناقضة أحياناً وهي مشهورة كادّعائه الإجماع على جواز بيع الكلاب الثلاثة في كتاب وادّعائه في كتاب آخر الإجماعَ على حرمة بيع الكلاب الثلاثة ، والمشكلةُ أنّ فقهاءَنا ـ لشدّة ورعهم ـ تبعوا الشيخَ الطوسي في دعواه . ولو
١٨
‹