الطهارة
صفحة ١٨٠٩ من ٢٠٢٦

٣ ـ ومثلُهما صحيحةُ زرارة السالفة الذكر عن أبي جعفرﷺ ـ حيث قال : « قال رسول اللهﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة" يعني المعرفة بأنّ الله عز وجل خالقُ » ـ فإنها تُفيد أصالةَ أن يكون الإنسانُ مسلماً وبالتالي يجب تغسيلُه مع الشكّ في دينه .

قلتُ : لم يُعلم أنّ الأولى هي روايةٌ عن معصوم ، فلعلّه كلامُ أبي خالد القمّاط ، على أنها في مقام تعداد حالات الموت والقتل وأحكامها وليست في مقام إعطاء عموم أعلائي بأنّ الأصل هو وجوب تغسيل الإنسان الميّت ما لم نعلم بكفره .

وأمّا موثقةُ سماعة فهي أيضاً ليست في مقام إعطاء عموم أعلائي ـ وهو أصالة وجوب تغسيل الميّت خرج منه معلومُ الكفر ـ وإنما هي في مقام تعداد الأغسال الواجبة .

وأمّا ادّعاءُ "أنّ صحيحةَ زرارة تفيد أصالةَ أن يكون الإنسانُ مسلماً" وبالتالي يجب تغسيلُه حتى يثبُت أنه كافر ، فهذا غيرُ صحيح ، وذلك لأنّ المراد من الرواية هو أنّ الإنسان يولَدُ على فطرة التوحيد والمعرفة بخالقه ، وهذا أمرٌ يُدركه الإنسان بالفطرة ، فهو لو فكر قليلاً لَعَرفَ أنّ لهذا النظام الكبير والدقيق جداً خالقاً جبّاراً عظيماً عاقلاً عالماً ... وليس معنى روايات الفطرة أنّ الإنسانَ يولَد مسلماً مؤمناً بنبيّ الله محمد بن عبد اللهﷺ وبالإسلام والقرآن ...

بل لك أن تستدلّ على كلامنا بما رويناه سابقاً عن طلحة بن زيد ـ في موثّقته ـ عن أبي عبد الله عن أبيهﷺ قال : « صَلِّ على مَن مات من أهلِ القبلة وحسابُه على الله »(٣٠٣٦) فإنها تقول بوجوب الصلاة على خصوص المسلم فقط ، لا على مطلق الميّت ، فإنْ ثَبَت هذا فالغُسلُ مثلُ الصلاة عليه تماماً ، وذلك لمعلومية وحدة المناط والعِلّة في ذلك .

ثانياً : الأصلُ عدمُ كون الإنسان مسلماً ، وذلك لأنّ الإسلام أمرٌ حادثٌ على الإنسان لأنه يحتاج إلى الإعتقاد والتسليم والإيمان بما جاء به رسولُ اللهﷺ ... فلو شككنا في إسلام الشخص فالأصلُ الموضوعي هو عدمُ إسلامه ، لكنْ ـ مع ذلك ـ لا يجوز لنا اعتبارُه كافراً فنناديه "يا كافر" بناءً على هذا الإستصحاب ، وذلك لأنّ إثباتَ كونه كافراً بالإستصحاب يعني أنّ هذا الإستصحاب مُثبِتٌ ، وأنت تعلم أنّ الإستصحابَ المثبت لا يُثبِت لوازمَه العقلية والتكوينية ـ ككُفْر الشخص المذكور ـ وذلك لأنّ الكفر هو (الإتصاف بعدم الإسلام) (٣٠٣٧) فهو

(٣٠٣٦) ئل ٢ ب ٣٧ من أبواب صلاة الجنازة ح ٢ ص ٨١٤ .

(٣٠٣٧) وهذا لا ينافي كفاية عدمِ الإيمان بالإسلام ليكون الشخصُ كافراً ، ولا يجب أن يتّصفَ بعدم صحّة الإسلام ليكون كافراً .

١٨٠٩