الطهارة
صفحة ١٨٣٧ من ٢٠٢٦

أدُّعِيَ الإجماعُ على جواز تغسيل الرجل للصبيّة ، لكن هذا بنحو الإجمال ، واختلفوا في تحديد العمر ، فقد قال السيد محسن الحكيم في مستمسكه : "أمّا تغسيل الرجل للصبيّة : فعنِ التذكرة ونهاية الأحكام والروض الإجماعُ عليه ، وفي المعتبر : "عندي في ذلك توقُّف والأوْلَى المنع ، والأصل حرمة النظر" (إنتهى) . وقد يستدلّ على لزوم أن لا تكون الصبية فوق الثلاث سنين بالأولوية من الصبيّ حيث رأينا قبل قليل في مصحّحة أبي النمير أنه سأل أبا عبد اللهﷺ قال : حدّثني عن الصبي إلى كم تُغَسّلُه النساءُ ؟ فقال : « إلى ثلاث سنين » .

أقول : ما ذكره المحقّق في المعتبر من أنّ الأصل هو حرمة النظر إن كان نظرُه إلى قوله تعالى ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ فهذا غير صحيح ، لأنّ المتعلّق محذوف ودائرتَه واسعةٌ جداً ، فهل تقول بشمولها لنظر الأب حين يريد أن يطهّر ابنتَه الرضيعة مثلاً التي لم تبلغ اليومين أو الثلاثة بعد ؟ أكيداً هذا غيرُ صحيح ، إذن مع الشكّ في سعة الدائرة علينا أن نقولَ بذلك في القدر المتيقّن فقط وهو الصبيّة المميّزة ، وقد تجري فيما بين الثلاث سنوات والستّ سنوات أصالةُ البراءة ، ولا يصحّ التمسّك بالآية في موضع الشكّ وذلك لعدم ثبوت النهي عن ذلك ، وإن كان قصدُه الأصلُ العملي ، فهذا أيضاً غيرُ صحيح ، لأنّ الأصلَ هو البراءة والذي يفيدنا جوازَ النظر فيما دون الستّ سنوات ، ولكنْ مع ذلك الأحوط وجوباً سترُ عورتَي الصبيّة ما بين الثلاث والستّ سنوات وذلك لاحتمال كونه منكراً عقلائياً ، فيَصعُبُ الرجوعُ إلى أصالة البراءة . بل يمكن التمسّك بالبراءة أيضاً لنفي اشتراط المماثلة في تغسيل الصبيّة ، فيجوزُ تغسيلُ الرجل للصبيّة الغير بالغة ، فإنه لا يوجد دليل على المنع أو على وجوب المماثلة في الصبيّة الغير بالغة ، والرواياتُ الآمرةُ بلزوم المماثلة ناظرةٌ إلى الرجل والمرأة بصراحة وليس إلى الصبيّ والصبيّة ، هذا أوّلاً ، ثانياً : لك أن تستصحب جوازَ النظر من قبل الوفاة إلى ما بعد الوفاة وذلك لعدم تغيّر شيءٍ منها ، ثالثاً : لك أن تستدلّ بالأولوية أيضاً ، فإنه إذا جاز النظر والتغسيل حال حياتها فبطريق أولى يجوز ذلك بعد موتها لأنها تصير أقرب إلى الجمادات . رابعاً : لا شمول لعمومات حرمة النظر للصبية الغير بالغة وإنما هي ناظرة إلى النساء . خامساً : أمّا مصحّحة أبي النمير فقد تقدّم أننا لم نأخذ بها لا في الصبيّ ولا في الصبية وأنها مخالفةٌ للواقع فلا نعيد ، وإن كان المظنون أنّ المراد منها هو عدمُ وجوب ستر الصبية التي لم تبلغ الثلاث سنوات وجوازُ النظر إليها لأنها تكون كالجمادات . سادساً : فنتمسّك بإطلاق أدلّة تغسيل الميّت وشمولِها لتغسيل الرجل للصبيّة ، خاصّةً بعدما علمْنا قبل قليل أنّ

١٨٣٧