واعلم أنّ هذه الضربة المراد منها الضربة حتى ولو أدّت إلى القتل ، وذلك للتعليل بأنه محارب لله ولرسوله ، كما ترى في ما رواه في يب بإسناده عن أحمد بن محمد (بن عيسى) عن (محمد بن خالد) البرقي عن الحسن بن السري (ثقة) عن منصور (بن حازم فقيه ثقة) عن أبي عبد اللهﷺ قال : « اللص محارب لله ولرسوله فاقتلوه ، فما دَخَل عليك فعَلَيْ » صحيحة السند ، وفي مصحّحة الحلبي السابقة عن أبي عبد اللهﷺ قال قال أمير المؤمنينﷺ : « إذا دخل عليك اللصُّ المحاربُ فاقتُلْهُ ، فما أصابك فدمُه في عنقي » وهذا الحكم يوافق العقلَ تماماً وإلا فستكثر السرقةُ والنهبُ في البلاد ، وهذا موردٌ يخالف موردَ ما لو أخذَ السارقُ ما أُخذَ السارقُ ويكونُ حُكمُه القطعَ بالشروط المعروفة . وإنما لم أجزم بجواز قتْله لاحتمال عدم جواز ذلك لبعض أسباب مذكورة في بابَي السارق والمحارب ليس ههنا موضعُ ذكْر ذلك .
نرجع إلى ما كنّا فيه فنقول : قلنا قبل قليل بأنّ النصوص صريحة في كون أحكام الشهيد هي لخصوص مَن ذكرَتْه الرواياتُ من الشهداء الذين قُتلوا في ساحة المعركة ولم يدركهم المسلمون أحياء ، ولا أقلّ لانصراف الروايات السابقة في ذلك ، ولذلك ترى المتشرّعة جميعَهم يُغسّلون المطعونَ والمبطونَ والغريق والمهدوم عليه ومَن ماتت عند الطلق والنفساء والمدافع عن أهله وماله ، ولو كانوا لا يغسّلونهم لبانَ ذلك ولو مرّة واحدة في عصر الإسلام .
﷽ وهنا لا بدّ للعبد من أن يقول كلمة قلبية وهي : قال الله تعالى ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ، وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بيْتِه مُهَاجِراً إِلى اللهِ وَرَسُولِه ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً (١٠٠)﴾(٣٢٠٠) وهذا يعني ـ والله العالمُ ـ
(٣٢٠٠) سورة النساء ـ ١٠٠ . في هذه الآية الكريمة تنبيهٌ إلى أنّ في الهجرة يجد الإنسانُ مُراغَماً ـ أي تراباً ـ كثيراً ، وهذا كنايةٌ عن مورد رزق واسع وليس فقط تراباً كثيراً للزراعة وأرضاً واسعة ، فلا ينبغي للإنسان أن يتعلّق بأرضه أكثر من المقدار العقلائي والشرعي ، فلو كان هناك سلطة ظالمة ـ كما في أكثر بلادنا العربية والإسلامية ـ فليذهب الشخصُ إلى مكان الحكومة العادلة ، فتقوى بذلك دولتُنا الإسلامية المؤمنة وتصير بذلك قادرةً على التغلّب على الدولة الظالمة التي خسرت أبناءَها وفوائدهم ، فإنّ وجود المؤمن تحت الحكم الظالم كأنه منفيّ الوجود بلحاظ الإسلام ، وكأنّه لا وجود له عسكرياً ولا فائدة ، أمّا لو كان ضمن الدولة العادلة فسوف يشتدّ به عُودُها ، خاصة إذا كان من العقول الفذّة ، وخاصة مع تزايد المؤمنين الأبطال فيها حتى تصير من أقوى الدول في العالم .
١٩١٣
‹