الطهارة
صفحة ١٩٢ من ٢٠٢٦

إذن الكلام في بدَن الشهيد الذي حُكْمُه أنه لا يغسّل ، فهل هو طاهر أو نجس ؟ أي هل خرج بدليل خاصّ من تحت العموم السالف الذكر أم لا ؟

يجب القول أوّلاً بأنّ استصحاب طهارته من حين كان حيّاً لا يجري ، وذلك لأنه استصحاب في الشبهات الحكميّة ، وذلك لتغيّر حالته من الحياة إلى الموت ، فليست الحالة هي نفسها ، إذن فلعلّ حُكْمَها في عالم الجعل قد تغيّر . كما لا يصحّ القول ـ عند الشك في طهارة ونجاسة الشهيد ـ بأنّ الأصل ـ بعد عدم صحّة الرجوع إلى الإستصحاب ـ هو الطهارة ، وذلك لوجوب الرجوع إلى العموم الفوقاني وهو نجاسة الميّت . ثانياً : لم يَرِدْ روايةٌ تنفعنا فيما نحن فيه .

* إذن ما هو وجهُ القول بطهارة بدن الشهيد ؟

لم يَرِدْ دليلٌ واضحٌ يُفهم منه طهارةُ بدن الشهيد ، إنما عرفنا ذلك من مجموع وجوه :

• أوّلاً : ممّا رواه الشيخ الصدوقﷺ ، قال في الفقيه : "واستشهد حنظلةُ بنُ أبي عامر الراهب بأُحُد فلم يأمرِ النبيﷺ بغسْله ، وقال : رأيتُ الملائكةَ بين السماء والأرض تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف من فضة ، وكان يسمى غسِّيلَ الملائكة" (١٨١) ، ويمكن تصحيحُ هذه الرواية لأنه ينقلها جازماً ، مع احتمال كون نقلها معتبرة عن حسّ ، وهي تعني أنّه طاهرَ بدناً ولا يوجب غُسلَ المسّ ، لأنه غسّلته الملائكة ، والمناط في تغسيل الملائكة لحنظلة هو كونه شهيداً لم يدركه المسلمون حيّاً ، ولا يُحتمَلُ وجودُ ميزة بينه وبين شهدائنا الأبرار . فإن قلتَ : غسل الملائكة لحنظلة بن الراهب هو غسل لبدنه المثالي البرزخي ، وهو طاهر بحسب الأصل لأنه نوراني ، فإذن هذه الرواية لا تنفعنا في إثبات الطهارة الماديّة لجسده الماديّ . قلتُ : صحيحٌ أنه غُسِلَ لجسمه النوراني البرزخي ، ولكنْ غُسْلُ الميّت قد يكون أيضاً غُسْلاً لجسمه النوراني ، أي قد يكون غسلاً معنوياً في الواقع ، لا غسلاً لجسده الماديّ فقط ، وإلاّ لاكتُفِي بغُسلٍ واحد .

• ثانياً : إنّ عدم جواز تغسيله يُرشدنا إلى طهارة بدنه ـ طبعاً ما عدا النجاسات المعلومة النجاسة كالدم ـ فعدمُ جواز تغسيله يعني أنّ ملائكة الله قد غسّلته ، وأنه طاهر ، بل قيل إنّ مسّه لا يوجب غَسلَ مسّ الميّت ، وإلاّ لصار الميّتُ المغسّلُ العادي الفاسق أفضلَ من الشهيد من هتين الناحيتين ، فإنه طاهر بدناً ولا يوجب مسُّه غُسْلَ المسّ ، والشهيدُ نجس بدناً ، ويوجب مسُّه غُسْلَ مسّ الميّت ، وهذا غير محتمل بالوجدان .

(١٨١) ح ٢ ص ٦٩٨ .

١٩٢