الطهارة
صفحة ١٩٦٤ من ٢٠٢٦

أمّا على مستوى الوضع فقد يقال بأنّ المغسّلَ إذا كان جاهلاً بأنّ ما أخذه هو غصب فإن كان المأخوذ هو الماء أو السدر أو الكافور ـ كما لو أخَذَ الماءَ أو السدر أو الكافور بالإستحياء والإحراج أو كان الخمسُ متعلّقاً فيه ، أو أنّ الذي أعطاه السلعة الفلانية كان قد غصبها سابقاً من صاحبها ، وعَلِم المغسّلُ بذلك بعد الغُسلِ ـ فقد تقول بأنه لا تجب إعادة الغُسل وذلك لعدم كونه معصيةً فعلاً ، ولرضا الله تعالى بهذا التغسيل لأنّ الله جلّ وعلا هو المالك الحقيقي وليس الإنسان ، وفي حالة الجهل لن يعاقبَه اللهُ تعالى على ذلك طالما كان جاهلاً بالغصبية ، كما لا مانع من التقرّب به وكونه عبادة .

كما قد يقال بأنه لا تضرّ غصبيّةُ ظرف الماء ومجرى الغسالة بصحّة الغسل ـ طبعا إن تَحَقّقت نيّةُ القربة ـ لأنه حينما أخَذ الماءَ المباحَ من الظرف المغصوب ووضَعه في ظرفه الصغير المباح فلا إشكال في جواز التغسيل به وفي صحّة الغُسل حتى وإنْ فَعلَ حراماً فعلاً بالتصرّف بالإناء المغصوب وبالمكان المغصوب الذي يجري فيه الماء .

فأقول : فيما ذُكِرَ نظرٌ واضح ، وذلك لأنّ التصرّف بالماء والسدر والكافور المغصوبين هو مبغوض واقعاً وفعلاً ـ وإن لم يكن منجّزاً قبل العلم ـ فيُحتمل ـ بَعد العلم بالغصبية ـ أن لا يَقبل الله تعالى بهذا التغسيل ولا يرضى به ولا يكتفي به ، وأصالةُ الإشتغال هي الحاكمةُ في هذا المورد ، ولذلك الأحوط وجوباً إعادةُ التغسيل بالماء والسدر والكافور المباحين طالما لم ندفُنِ الميتَ بَعدُ .

وبتوضيح أكثر ، لو أخرج ماءً من بئر عامٍّ بإناء مغصوب وصار الماءُ له بالإختصاص فإنه لا يصحّ تغسيل الميت به ، حتى ولو صار المغسّلُ يغترف من هذا الإناء المغصوب الكبير اغترافاً وصار الماءُ في إنائه الصغير المباح ، وذلك لأنه مكلّف حينئذ بتيميم الميت لا بتغسيله . نعم ، لو أفرغ الماءَ كلَّه بإنائه الكبير المباح أوّلاً ثم غسّلَه من مائه وإنائه المباحَين لصحّ تغسيلُه بلا شكّ ، حتى وإن كان قد فعل حراماً بالتصرّف بإناء الغَير .

وعلى الأقلّ يُشْكَلُ جدّاً القولُ بصحّة غُسله ـ بعد العلم بغصبية الماء ـ وبأنّ المغسّلَ مكلّفٌ فعلاً بالتغسيل إن كان جاهلاً بالحكم أو بالموضوع ، ولا إطلاق ليُتمسّك به لإثبات وجود أمر بالتغسيل ولو على مستوى الملاك ، لذلك يصعب تصحيح تغسيله إن كان جاهلاً بالحكم أو بالموضوع ، ولا دليل على وجود أمرٍ فعليّ أو مَلاكٍ بحُسْنِ هذا التغسيل عند الله ومحبوبيّتِه عند الله بذريعة أنه كان جاهلاً بالغصبية حين التغسيل .